السير فردريك وليم هرشل


 

 

ولد فردريك وليم هرشل في ألمانيا عـام 1738 وكان أبوه موسيقيا في الجيش وكان الوالد إذا انتهت ساعـات عـمله يجمع أولاده حوله ويمرنهم عـلى العـزف عـلى مختلف الآلات الموسيقية ، تحسبا منه أنه مهما يقع لهم في السمتقبل فإنه يبقى في استطاعـتهم أن يكسبوا رزقهم عـن هذا الطريق .

 وأبدى وليم منذ حداثته شيئين : ميلا ظاهرا إلى الموسيقى وبراعـة فائقة في البحث وفي بعـض الأحيان كان الأب يصحب أبناءه إلى العـراء حيث يقضون ساعـة كل ليلة في مراقبة النجوم وإن كان الوعـد بينهم أنهم جميعـا سيكونون موسيقيين .

  ولما كان ضروريا أن يشارك الأبناء في إعـالة الأسرة ، فقد انتظم وليم في فرقة الحرس عـازفا عـلى آلة الأوبوا ولبث في الجيش سنوات أربعـا .

   وما أن بلغ التاسعـة عـشر حتى ترك فرقة الحرس وراح يجرب حظه في إنجلترا لم يثنه عـن عـزمه أن سيكون في بلد غـريب لا بيت له فيه ولا أهل ولا اصدقاء ولكنه كان يعـرف الإنجليزية معـرفة تمكنه من الإفصاح عما يريد ولما كان يجيد العـزف عـلى الكثير من الآلات الموسيقية فقد كان واثقا من أن يجد عـملا يتكسب به رزقه .

 ومضت بضع سنوات وهذا الموسيقى الجوال يتنقل في إنجلترا من بلد إلى بلد حتى أتيح له العـزف أما أحد مشاهير العـازفين في درام ، فأعـجب بعـزفه ودعـاه ليقيم معـه ولبى وليم الدعـوة شاكرا ومرحبا .

  وبدعـم من دكتور ملر العـأزف المشهور أصبح وليم عـازف الكمان الأول في حفلات درام الموسيقية وأقبل عـليه الطلاب يتعـلمون منه فنون الموسيقى وبدأ في نشر مؤلفاته الموسيقية عـندما عـين عـازفا عـلى الأرغـن في أكبر كنيسة في مدينة باث .

 

  نقطة التحول :

 

  وفي باث كانت نقطة التحول ، فقد عـثر هرشل عـلى كتاب في عـلم الفلك ففتن به وأكب عـلى مطالعـته في كل أوقات فراغـه ليلا ونهارا ومن ثم ولى وجهه شطرا هذا العـلم وأولاه كل عـنايته ولكن لا بد من مرقب ولما لم يجد مرقبا في وسعـه ابتياعـه ، جد في تصميمه وبعـدما أتم صنعـه بيديه ، كان إذا صفا الجو في الليل يرود الفضاء ويرصد النجوم وكان إذا حاول شيئا وضع له خطة مدروسة ونفذها بدقة بالغـة وهو السر وراء نجاحه العـظيم .

  صرف هرشل معـظم جهده لدراسة النجوم وكان أخوه وأخته قد قدما ليقيما معـه ، فصرفهما كذكك عـن العـناية بالموسيقى والاشتغـل بصنع المراقب وهكذا انقلب بيته إلى ( ورشة ) لصنع الأدوات الفكلية وأضحت كارولين أخته تنافسه في حماستها لعـلم الفلك وكان لها دور متميز فقد عـاونته في حياته وبعـد مماته أعـدت أرصاده المتعـلقة بالسدم والمجرات للنشر وقد اكتشفت بنفسها ما لا يقل عـن ثمانية مذنبات حتى منحت وهي في الخامسة والسبعـين الميدالية الذهبية من الجمعـية الفلكية الملكية .

  وكان هرشل قد صنع مرقبا رصد به الجوزاء قبل 1775 وقد يبدو هذا أمر مألوفا لنا الآن ولكن إذا عـلمنا أن عـالمنا حاول ذلك مائتي مرة قبل الظفر به لأدركنا جهد العـناء الذي يلاقيه السابقون من الرواد ليمهدوا الطريق للقادمين بعـدهم .

  أعـطى هرشل كل وقته لعـمله وبلغ من استغـراقه فيه أنه لم يكن يغـادر ورشته لتناول طعـامه بل كانت أخته تقف إلى جانبه وتدس له الطعـام في فمه وهو يعـمل وإذا كان يدير جوقات موسيقية كبيرة كان يسارع في فترات التوقف إلى العـراء ليسترق اللمح إلى السماء ولما تفوقت المراقب التي صنعـها بدأ يبيع منها لزيادة دخله .

  ولما كان يرغـب في دراسة النجوم جميعـا دراسة منظمة ودقيقة ، فقد صنع خريطة للسماء قسمها أقساما ليتمكن من توجيه العـناية إلى كل قسم منها عـلى حدة وكان يندر أن يغـمض له جفن في ليلة صفت فيها السماء صيفا أو شتاء .

 

  النظر في المريخ :
 

  بينما كان هرشل معـنيا بدراسة الكواكب السيارة لاحظ ظاهرة غـريبة قلنسوة بيضاء عـلى كل من قطبي المريخ وأن هاتين القلنسوتين هما في الراجح ثلج وبعـد دراسة مدققة استقر به الرأي عـلى أن الفصول عـلى سطح المريخ تحاكي تماما مثيلاتها عـلى سطح الأرض .

  هذا ما توصل إليه هرشل عـن المريخ في القرن الثامن عـشر وهو ما صدق عـليه العـلم الحديث ، فالمريخ كوكب صغـير لا يزيد حجمه عـن نصف حجم الأرض ويتميز بلونه الأحمر اللافت للأنظار ويرجع هذا اللون إلى الصحاري الرملية التي تغـطي معـظم سطحه وترى قلنسوتين بيضاويتين قرب قطبي المحور ، مما يذكرنا بالمنطقتين القطبيتين الجليديتين عـلى الأرض إلا أن هاتين القلنسوتين عـلى قطبي المريخ لا تتعـديان كونهما جليدا هشا إبرى البلورات سرعـان ما تذيبه خيوط الصيف الساخنة وفي المريخ كما في الأرض فصول أربعـة فعـندما يكون الوقت شتاء في أحد نصفي الكرة يكون الفصل صيفا في النصف الآخر منها ، تماما كما هي الحال عـلى كوكبنا

 

  أكتشاف أورانوس :

 

   في ليلة صافية لاحظ هرشل نجما غـريب المنظر أكبر من النجوم التي حوله في كوكبة الجبار فرصده بدقة ليلتين أو ثلاثا ، فلاحظ عـدم تلألئه كبقية النجوم ، بل هو يشرق بضوء ثابت وبدا أنه يتنقل تنقل الكواكب السيارة إذن لقد كشف كوكبا جديدا في مجموعـتنا الشمسية ولما بعـث بنبأ هذا الكشف إلى الجمعـية الملكية انتخب زميلا فيها عـام 1781 ومنح ميدالية كوبلي .

  وبعـد كشف هرشل وجه الفلكيون الأوربيون مراقبهم إلى ذلك الجرم الغـريب يرقبونه ويترصدون ، وظنوه في أول الأمر مذنبا ولكن سرعـان ما اتفقوا عـلى أنه ليس كذلك وأن هرشل إنما كشف كوكبا جديدا .

  اهتم العـلماء بهذا الكشف اهتماما ظاهرا لأنه كان أكبر كشف فلكي تم بعـد عـهد جاليليو ، فقد كانت الكواكب المعـروفة ستة ومن ثم فالكشف الجديد ما هو إذن إلا مد لحدود المجموعـة الشمسية .

 

 الفلكي الملكي :

 

   انهالت ألقاب الشرف عـلى الرجل الذي أماط اللثام عـن شيء كان قبله مجهولا ورغـب هرشل في أن يدعـو كوكبه الجديد ( الملك جورج الثالث ) ولكن عـلماء الفلك عـارضوا ذلك وفضلوا أن يطلق عـليه اسم أحد آلهة اليونان القدماء مثل سائر الكواكب وهنا دعـى الكوكب ( أورانوس ) وهم اسم أقدم الآلهة .

  كشف عـن أورانوس في 13 مارس عـام 1781 ، فرأى المفكرون أن وقت عـبقرية مثله يجب أن يصرف في سبيل العـلم واستجاب الملك وعـينه ( فلكيا ملكيا ) وهو منصب عـلمي رسمي .

 

  توالت الاكتشافات :

 

  بعـد ذلك الكشف الكبير بني هرشل مرقبا كبيرا كان له أثر كبير في رصد السماء وفي اليوم التالي لاتمامه حوله إلى زحل فوجد أن له أقمارا ستة بدلا من الأقمار الخمسة المعـروفة حتى ذلك الوقت وبعـد أسابيع كشف عـن قمره السابع وهو أقرب أقماره إليه .

 وبعـد بضع سنوات كشف هرشل أن لأورانوس قمرين وهذا الاكتشاف بعـث في نفس الرجل نشوة السرور ، لأنه كان دليلا جديدا عـلى اتساع الكون العـجيب ولكن قبل أن يعـلنه ولكي يكون واثقا من أنه لم يخطىء ، رسم صورة لأورانوس وأقماره كما يجب أن تبدو في ليلة معـينة ولما جاءت الساعـة المعـينة للرصد وجد الكوكب وقمريه كما تصورهم .

  والحق أنه كانت لهرشل اكتشافات فلكية عـديدة ، فنيوتن كان قد أثبت أن الكواكب وتوابعـها تدور جميعـها حول الشمس مرتبطة بها بفعـل الجاذبية وأضاف عـالمنا بعـد تمحيض وتدقيق أن كل هذا الشمس وما حولها سائر في الفضاء بسرعـة غـريبة نحو أحد النجوم البعـيدة .

  وهرشل هو أول من كشف ظاهرة ( النجوم المزدوجة ) وفهمها عـلى وجهها الصحيح وهذا الاكتشاف وحده كاف لتخليد ذكره بين عـلماء الفلك والكبار .

 

  ولاحت النهاية في عـام 1822 مات هرشل وهو في الرابعـة والثمانين محتفظا بقواه العـقلية إلى رمقه الأخير ، مدعـيا بحق أنه في ريادة الكون قد امتد بصره إلى أبعـد مما بلغـه بصر أي إنسان قبله ، فاستحق بجدارة أن ينظر إليه عـلى أنه ( ماسح ) السماء .