جوهانز كبلر


 

 

ولد جوهانز في مدينة ويل جنوبي ألمانيا في 21 ديسمبر عـام 1571 ، وقد أصيب إصابة حادة بالجدري وهو في الرابعـة من عـمره وتركه هذا المرض ضعـيف النظر عـاجز اليدين ، وكان والده جنديا مرتزقا وأمه بنتا لأحد بوابي الفنادق ، جاهلة نزقة الطبع وبالرغـم من أن الصغـير جوهانز كانت تعـوقه ظروف عـديدة ، فأبوه مخمور وأمه مختلة عـقليا ونظره مصاب وبنيته ضعـيفة ويداه عـاجزتان إلا أنه كان تلميذا مجدا من أوائل دراسته .

  وأرسل جوهانز إلى المدرسة ولكنه لم يلبث بها طويلا لأن أباه كان قد ضمن صديقا بمبلغ من المال وثبت أن هذا الصديق مختلس فاضطر لأن يكفله ، ففقد بذلك كل ما يملك واضطر لأن يفتح حانة يرتزق منها وأسرته مستخدما فيها ذلك الطفل السقيم .

 وهكذا أرغم جوهانز أن يترك المدرسة ويعـمل في خمارة أبيه وظل كذلك سنوات ثلاثا توسط في نهايتها نفر من أصدقاء أبيه ومكنوا الفتى من الالتحاق بمدرسة الدير في بلدة ملبرن وفي المدرسة أظهر من النبوغ والبراعـة ما مكنه من دخول جامعـة توبنجن وهو في السابعـة عـشرة من عـمره .

 

  الزواج المشؤوم :

 

  انتظم جوهانز في الجامعـة يتلقى عـلومه عـلى أستاذه في الرياضيات ميخائيل ميستلن وأدرك الأستاذ النبوغ الكامن في تلميذه فأدناه منه ووجه إليه عـناية خاصة وكان ميستلن من أتباع مذهب كوبرنيكوس القائل بأن الشمس هي مركز نظامنا الشمسي وما الأرض إلا سيار يدور حولها ، فنشأ كبلر عـلى هذا المذهب وصار فيما بعـد من أشد أنصاره ، فذاعـت شهرته في عـلم الفلك ولما خلا منصب أستاذ الرياضيات في جامعـة جراتس عـرض عـليه فقبله متلكئا .

 وفي عـام 1597 ، وهو في السادسة والعـشرين تزوج من سيدة كان قد سبق لها الزواج مرتين وكان زواجا مشؤوما ، ولما ولد له من هذه المرأة ثلاثة أبناء ارتبكت أحواله ارتباكا أقلق باله وأقض مضجعـه .

 

  الخلف والسلف :

 

  عـمل كبلر بعـد أن ترك توبنجن أستاذا للفلك في جامعـة جراتس ، وهناك أصدر أول مؤلفاته عـن الفلك في عـام 1596 وعـلى الرغم من أن النظرية التي كتب عـنها كبلر في ذلك الوقت لم تكن صحيحة عـلى الإطلاق ، إلا أن هذا المؤلف أثبت أصالة عـالمنا الفكرية وعـبقريته الرياضية .

 وقد أعـجب به العـالم الفلكي تيكو براهى ، فدعـاه مساعـدا له في مرصد برانج وانضم إليه كبلر سعـيدا في يناير عـام 1605 ولما توفى براهى في العـام التالي ، أصدر الإمبراطور رودلف ملك الإمبراطورية الرومانية المقدسة قرارا بأن يخلف كبلر براهى في وظيفته مستشار الإمبراطور للشؤون الرياضية وقد ظل كبلر في هذا المنصب حتى مات .

  ووجد خليفة الفلطي الكبير كل التقارير العـلمية التي تركها سلفه في متناوله وإذا عـلمنا أن براهى كان آخر الفلكيين الكبار قبل اختراع المنظار المقرب وأنه قد بلغ شأنا كبيرا في دقة الرصد وقوة الملاحظة ، لقدرنا القيمة العـظمى للسجلات التي تركها وأيقن كبلر بفطنته ، أن هذه السجلات وحدها هي التي ستفصل في قضية دوران الكواكب : هل دورانها حول الشمس كما رأى كوبرنيكوس أم حول الأرض كما قال بطليموس أم أن هناك احتمالا ثالثا .

  وبعـد دراسة مستفيضة لذلك الأمر ومتأنيه أدرك كبلر أن سجلات سلفه لا تتفق وهاتين النظريتين وقد أدرك كبلر أن الخطأ الذي وقع فيه ، هو والفلكيون الآخرون ، أنهم تصوروا أن مدارات الأفلاك دائرية في حين أنه اكتشف أنها إهليلجية أو شبه دائرية .

 وهنا نشير إلى ارتباط الخلف بالسلف وأن كلا منهما قد كمل الآخر ، فتيكو براهى كان بارعـا في الرصد ضعـيفا في الرياضيات ، بينما كان كبلر عـلى الضد نابغـا في الرياضيات عـاجزا في الرصد .

 

  قوانين كبلر :

 

  في عـام 1609 أصدر كبلر كتابه ( الفلك الجديد ) وفي هذا الكتاب نشر القانونين الأول والثاني لحركة الكواكب .

   القانون الأول : تدور الكواكب في مسارات إهليجية حول الشمس بحيث تكون الشمس في إحدى  بؤرتي الشكل الإهليلجي .

   القانون الثاني : المستقيم الواصل بين مركز الشمس ومركز الكواكب المتحرك يغـطي مساحات متساوية في الأزمنة المتساوية  .

  وقد طبق كبلر هذين القانونين عـلى أرصاد تيكو براهى ، فتطابق الاثنان .

    القانون الثالث : تتناسب مربعـات أزمنة دورات الكواكب حول الشمس مع مكعـبات أبعـادها المتوسطة عـن الشمس .

  وقد اكتشفه كبلر بعـد سنوات عـشر من توصله إلى القانونين الأول والثاني ، وعـلى الرغم من الدقة العـلمية البالغـة التي احتاج إليها كبلر وتحلى بها ليكتشف هذه القوانين ، إلا أنه لم يفسر لنا لماذا تدور الكواكب في مدارات إهليلجية هذه المشكلة حلت في عـصر نيوتن ، ولكن قوانين كبلر كانت مقدمة ضرورية لقوانين نيوتن فيما بعـد .

 

  بين الرياضيات والفيزيقا :

 

  لم يكن كبلر فلكيا ألمعـيا فحسب وإنما كان رياضيا عـبقريا كذلك وفيزيقيا ومما يذكر لكبلر في هذا الخصوص أنه ساهم في إحياء العـناية بالهندسة في القرن السابع عـشر بعـدما أهملها العـلماء بانصرافهم إلى الجبر ومن مبتدعـاته في هذا المجال ( مبدأ الاستمرار ) يمثل ذلك قوله ( إن الدائرة حالة خاصة من حالات الشكل الإهليلجي ) وقد استعـمل في حلوله للمسائل الرياضية ( الكميات المتناهية ) ممهدا السبيل بذلك الاستنباط حساب التفاضل والتكامل عـلى أيدى نيوتن ، كما عـني كبلر بدراسة الانكسار في الضوء متقدما في معـالجته عـلى معـالجة بطليموس له .

 

  قلة بخت :

 

  كان كبلر إنسانا سيء الحظ حقا ومن سوء حظه فضلا عـن طفولته البائسة ، أنه عـاش في ألمانيا عـندما كانت غـارقة في حرب الثلاثين عـاما فلم يكن بمقدروه أن يحصل عـلى راتبه الشهري إذ كان أباطرة الإمبراطورية الرومانية يتكاسلون في دفع الأجور حتى عـندما كانت الإمبراطورية في أجود حالاتها المادية ، إذن فكيف يدبر شؤون حياته وله زوجتان أنجب منهما اثنى عـشر ولدا ، ثلاثة من الأولى وتسعـة من الثانية .

  لقد اعتقلوا أمه بتهمة ممارسة السحر ، وقد تعـب كثيرا في إطلاق سراحها دون أن يعـذبوها إذ كان الإغـراق والإحراق عـقابا لكل من يشتغـل بالسحر .

  وتمر الأيام التعـسة وعـالمنا يتقلب بين البؤس العـائلي تارة والضيق المادي أخرى ، حتى لقى ربه في مدينة رجيتربرج عـام 1630 بمقاطعـة بافاريا ، قبل مولد نيوتن باثنتي عـشرة عـاما ذلك الذي قدر له أن يؤسس عـمله العـظيم معـتمدا في كثير عـلى أعـمال عـالمنا العـملاق .

     قال نيوتن : ( مارأيت بعـيدا إلا لأنني كنت أقف عـلى أكتاف الآخرين ) وكلبر أحد هؤلاء ( الآخرين ) إذ كانت قوانين نيوتن للحركة بمثابة نتائج مباشرة لمقدمات كثيرة .

 ومساهمات كبلر في الفلك لا تقل خطورة عـن دور كوبرنيكوس ، بل إنها أعـمق منها وآصل وكم واجهته من صعـوبات رياضية رهيبة وكان عـليه أن يحلها وحده فلم تكن الحاسبات الإلكترونية قد اخترعـت بعـد .

  والعـجيب حقا أن اكتشافات كبلر قد جهلها وتجاهلها فلكيون كثيرون ومنهم جاليليو وهذا موقف غـريب ، فقد تراسل العـالمان كثيرا ولو أخذ جاليليو بما توصل إليه كبلر لكانت اكتشافاته الفلكية أكثر وأعـمق ، ولساعـده ذلك عـلى القضاء عـلى نظرية بطليموس ونظامه الكوني .