جاليليو جاليلي


 

 

ولد جاليليو في بيزا بإيطاليا عـام 1564 ، بعـد بدء حركة الإصلاح الديني في أوروبا بأربعـين عـاما وبعـد وفاة ميخائيل أنجلو بأيام ثلاثة ، ولا شك أن جاليليو قد استفاد من شبابه من الاتجاه العـقلاني الذي ساد الفلسفة الطبيعـية في عـصر النهضة ، كما أنه نشأ في كنف والد من صلب أرستقراطية فلورنسا ولكنه كان رجلا شديد الإيمان بأهمية المناقشة الحرة لك الموضاعـات من أجل الوصل إلى الحقيقة وكانت مواقف والده في هذا المجال ذات أثر كبير عـليه في شبابه ولكنه نشأ أيضا في ظل نمو تهديد حركة الإصلاح البروتستنتينية لسلطة الكنيسة الكاثوليكية في ظل الحروب الدينية التي اكتسحت أوروبا من الشمال وهددت سلطة الكنيسة كما لم تهدد من قبل .

  وعـندما لمعـت عـبقرية  جاليليو في الرياضيات عـين أستاذا لها بجامعـة بادوا في فلورنسا وهو ابن الثامنة والعـشرون ، وظل أستاذا بهذه الجامعـة حتى عـام 1610 وفي هذه الفترة توصل إلى معـظم اكتشافاته الفيزيقية المهمة وحقق اتصالات مكثفة مع عـدد غـير قليل من عـلماء أوروبا وأصبح في نظرهم كما هو في نظر الكثيرين أول عـالم فيزيقي بالمعـنى الحديث للكلمة .

 

    كان جليليو حتى في طفولته لا يكف عـن التجريب بنفسه دون ما إعـتماد عـلى ما يقوله الآخرون وكان والده يسميه مراقب النجوم الصغـير الشارد العـقل ، فقد كان عـقل جاليليو شاردا فعـلا يحلق بين السحب وهو يتتبع بعـين الخيال ذلك البالون الذي أحضره والده هديه له في عـيد مولده ، بينما يكون المعـلم منهمكا في تأكيد أهمية حروف الجر في اللغـة اللاتينية أو شرح الأفعـال في اللغـة الإيطالية .

  وأرسل وهو في الثانية عـشرة إلى مدرسة في أحد الأديرة حيث شجعـه الرهبان عـلى الانخراط في سلك الكنيسة ولكن والده لم يشجعـه عـلى ذلك إذ كانت لديه خطة أخرى لمستقبل جاليليو ، أن يكون ابنه تاجر أقمشة .

  ولكن كانت لدى الصبي في الوقت نفسه خطته الخاصة ، الاشتغـال بالعـلم والطب بالذات .

  في أقات فراغه أثناء دراسته للطب كان جاليليو لا يكف عـن إجراء التجارب العـملية مستخدما أدوات من صنعـه وسرعـان ما عـلم أساتذته بهذا فأظهروا سخطهم لأن تجرؤ أي طالب عـلى أن يفكر بنفسه كان يعـتبر في نظرهم هرطقة وكان الاساتذة يعـلنون دائما أن أرسطو قد حل جميع المسائل العـلمية حلا حاسما ونهائيا وإذا ما تجرأ أحد الطلاب في أي وقت عـلى أن يثير اعـتراضا عـلى بعـض الأقوال التي كانت في ظنهم يقينية ، كانوا أي الاساتذة سرعـان ما يضعـون حدا للمناقشة بقولهم هكذا قال المعـلم ( يقصدون أرسطو ) وقوله الفصل .

 

  أرشميدس عـصره :

  ونتيجة لإصرار جاليليو وعـناده رفض أساتذته إعـطاءه دبلومه في الطب وهكذا غـادر جامعـة بيزا وهو فاشل في الطب فشلا ذريعـا وقد قالوا عـنه  ( إنه مشعـوذ مخبول العـقل يتلاعـب بالأرقام الصم عـديمة الفائدة ) ولكن مهارته هذه في التلاعـب بالأرقام أكسبته شهرة كبيرة بين الرياضيين الكبار في إيطاليا ، هؤلاء العـلماء الذين كان كاليليو قد ارسل إليهم ببعـض نتائجه العـلمية والذى شرفوه بأن أطلقوا عـليه لقب ( ارشميدس عـصره ) .

  ولكن ( أرشميدس عـصره ) وجد أن استبدال الرياضيات بالطب إنما هو شيء بائس حقا من الناحية المادية ، إذ في ذلك العـصر كان يوجد الكثيرون من المرضى والقليلون من محبي العـلم وقرر جاليليو إعـطاء دورس خصوصية لأبناء النبلاء ولكن أين ذلك الإنسان الذي يقبل عـلى الأقل في ذلك الوقت ، أن يأخذ أرقاما مجردة ويعـطي في مقابلها زبدا وخبزا .

 

  أولى المساهمات الفلكية :

 

   أولى مساهماته المهمة في عـلم الفلك كانت في عـام 1604 عـندما كان أستاذا في جامعـة بادوا ، ذلك المنصب الذي شغـله في عـام 1592 وعـمره إذ ذلك ثمانية وعـشرون عـاما .

  وحدثت تلك المساهمة عـندما بدا في السماء نجم جديد ، أثار اهتمام الناس عـلى اختلافهم وألقى عـالمنا محاضرة عـامة أوضح فيها عـلى أساس مشاهداته الدقيقة أن هذا النجم الجديد نجم حقا ولا يمكن أن يكون شهابا عـابرا في الغـلاف الجوي المحيط بالأرض ، وأنه لا بد وأن يكون نجما ثابتا بعـيدا من بين النجوم الثابتة البعـيدة عـن نطاق الشمسي وتنبأ جاليليو بأن هذا النجم سيظل مرئيا لفترة قصيرة ثم يختفي بعـد ذلك .

 

  الحدث الكبير :

  كان جاليليو واحدا من الذين اعـتنقوا آراء كوبرنيكوس ، بالرغـم من أنه لم يكن قد جرؤ عـلى إعـلان ذلك  ( خوفا من أن ألاقي مصير أستاذنا كوبرنيكوس ) .

  غـير أن جاليليو ما كاد ينتهي من دراستاته عـن ذلك النجم الجديد حتى عـنت له فرصة رائعـة للتيقن من صحة آراء كوبونيكوس وكانت هذه الفرصة هي أهم حدث في حياة جاليليو كعـالم فلكي ، والفرصة كانت التلسكوب أو المنظار المقرب ، وقد وجه لمشاهدة الأجرام السمائية وكانت تجربة فريدة في تاريخ الإنسان .

 

  كشوف وكشوف :

 

  بدأ جاليليو بدراسة القمر وتوصل إلى أن سطحه ليس كامل الملاسة دائريا بالضبط ومتجانسا تماما وكان الكثيرون من الفلاسفة يعـتقدون أن هذه الصفات تنطبق عـلى القمر والأجرام السمائية الأخرى ، غـير أن سطح القمر عـلى الضد ، ملئ بالفجوات والنتوءات ، تماما كسطح الأرض تعـتريه ربى هنا عـالية ووديان هناك سحيقة ، بل أن جاليليو ذهب إلى حد تقدير ارتفاع الجبال عـلى سطح القمر ووصل إلى نتيجة تتفق في القدر مع النتائج الحديثة .

 وانتقل من القمر إلى النجوم فكشف أن هناك فرقا بين النجوم الثابتة والكواكب السيارة ، وعـندما شاهد المجرة ، طريقنا اللبني ، تعـجب أشد العـجب إذ وجدها أعـدادا لا تحصى من النجوم موزعـة في مجموعـات وأكثر من ذلك أنه وجد كافة ( السدم ) التي استعر بخصوصها جدل طويل ما هي إلا كتل من النجوم ، وهكذا أخذ عـالمنا الفلكي يتنقل بمنظاره المقرب من كشف إلى كشف .

 وكان الكشف التالي مهما جدا ، لقد كشف أن للمشترى أقمارا أربعـة تدور حوله أسماها ( كواكب ) وكان هذا بمثابة حجة رائعـة ودامغـة تقضي عـلى العـجب الذي يساور هؤلاء الذين يقبلون دوران الكواكب حول الشمس في النظام الكوبرنيكي ، ولكنهم ينزعـجون لدوران القمر حول الأرض

  وتوصل جاليليو كذلك إلى كشف مهم آخر وهو أن كوكب الزهرة له أطوار تماثل أطوار القمر ، من البدر الكامل إلى الهلال الرفيع .

 

  وهكذا دبت الحياة في جاليليو من جديد ، ونشر في عـام 1622 كتابا جديدا أسماه ( المحاورات ) يتضمن نقاشا بين أنصار أرسطو وأنصار كوبرنيكوس عـن تصور كل منهم للكون وقد وافقت الرقابة أولا عـلى صدور الكتاب إلا أنه سرعـان ما جمع من المكتبات ، لأنه لم يكن من الممكن عـلى الكنيسة أن تتجاهل مثل هذا التحدي لسلطتها بينما ملك السويد في الشمال يقلب الموازين عـلى جيوش الكاثوليك بحيث كانت الكنيسة ذاتها في كف القدر والحق أن عـدد الأرسطيين في مجلس البابا كان ساحقا وكانوا جميعـا في انتظار فرصة تصفية الحساب مع جاليليو .

  وهكذا صدر في نهاية عـام 1622 أمر من مكتب البابا في روما إلى جاليليو بأن يحضر إلى روما ليواجه المحاكمة ، وكان جاليليو مريضا عـندما صدر الأمر بمحاكمته وأصدر الأطباء شهادة رسمية بذلك ، بيد أن أعـداءه لم تلن لهم قناة فأوعـزوا لرجال محكمة التفتيش بضرورة القبض عـليه ، مهما كانت حالته وتقييده بالسلاسل وحمله إلى روما .

  وفي روما حيث صقيع الشتاء في يناير 1623 وصل عـالمنا وهو أقرب إلى الموت منه إلى الحياة وعـندما صار أمام قضاته لم تكن حالته الجسمية أو الذهنية تسمح له بالدفاع عـن نفسه .

  حققت المحكمة غـرضها وأرغـمته في 22 يونيه عـام 1623 عـلى اعـتبار أفكار كوبرنيكوس خاطئة وأنه لم يعـد مقتنعـا بها منذ اللحظة التي طلب منه التخلي عـنها وخاصة إنكار اعـتقاده بدروان الأرض وأن يقسم عـلى ذلك قسمه الشهير ( أقسم أمام الكتب المقدسة ، التي ألمسها بيدي ، أنني أنبذ وأحتقر معـتقداتي السابقة ، وأقر بأن خطئي كان ناتجا عـن الطموح والغـرور والجهل المطبق ، وأنا الآن أعـلن عـلى الملأ وأقسم بأن الأرض حول الشمس لا تدور )  ولم يعـفه هذا الموقف المتخاذل من قرار المحكمة بسجنه ومصادرة الكتاب ، وبعـد شهور قليلة من السجن في روما أعـيد إلى فلورنسا حيث ظل معـتقلا في منزله حتى مات .