ألبرت آينشتاين


 

كان ألبرت وحيدا إلا من صحبة كتبه وقد مد يديه عـبر القرون ليكون صداقات مع إقليدس ونيوتن وسبينوزا وديكارت ،هؤلاء الرياضيين والفلاسفة الذين كان قد اتقن دراسة أعـمالهم ومؤلفاتهم قبل أن يبلغ الخامسة عـشرة ، كذلك كان يعـشق الشعـراء والموسيقيين من أمثال هايني وشيلر وبيتهوفن وموزار وباخ ، فمن خلالهم كان يجد عـالما من النظام والانسجام وكان ذلك نوعـا من المواساة والترويح لروح ذلك الغـلام الحساسة التي حيرتها التصرفات غـير المنطقية من جانب معـلميه وزملائه .

 وقد انزعـج ولده من غـرابة أطواره وكان يرى أن الوقت قد حان لأن يتحمل ألبرت مسؤولياته كرجل ، فهو الآن في السادسة عـشرة ، ومن ثم حث الأب ابنه عـلى أن ينسى ( هذيانه الفلسفي) هذا وأن يتجه إلى حرفته هو ، حرفة الهندسة الكهربائية ولكنه أبى .

 

 ثورة فيزيقية :

 

 غـير أن ولعـه بالفيزيقا النظرية بالذات بدأ يعـاوده ، ومن ثم أخذ ينشر بحوثا فيها من عـام 1901 - 1904 ، تلك البحوث التي كانت بمثابة ( الشرارة ) التي فجرت عـبقريته مرة واحدة في عـام 1905 .

  فقد نشر فيه آينشتاين وهو لم يتجاوز بعـد السادسة والعـشرين ، بحوثا أربعـة يعـتبر ثالثها بالذات بمثابة ثورة عـلى المفاهيم الفيزيقية التي كانت سائدة حتى ذلك الوقت وهو وإن كان يحمل عـنوانا متواضعـا ( حول كهروديناميكية الأجسام المتحركة ) إلا أنه كان في الواقع بمثابة أو لعـرض جاد وعـميق لما يعـرف اليوم بنظرية النسبية الخاصة .

 وفي عـام 1907 أكمل آينشتاين ثورته الفيزيقية بنشر بحثه المتميز الذي أثبت فيه أن الكتلة والطاقة متكافئتان وفي هذا البحث قدم معـادلته الشهيرة التي كانت تعـتبر أول تفسير لظاهرة الأجسام المشعـة ذريا ن وقد وجدت المعـادلة تأكيدها المفج لأول مرة في قنبلة هيروشيما عـام 1945 .

 

 آينشتاين في القمة :

 

  ولكن ما إن حل عـام 1909 ، حتى غـين آينشتاين أستاذا مساعـدا للفيزيقا بجامعـة زيورخ في الشهر الخامس منه ، ومنذ ذلك الوقت والعـروض الجامعـية السخية تنهال عـليه وتتنافس الجامعـات في استمالته إليها وساتقطابه نحوها ، وكان من هذه العـروض أن عـين استاذا للفيزيقا النظرية بالجامعـة الألمانية ببراغ لمدة عـام ونصف ، ثم عـين في وظيفة مماثلة في معـهده الذي درس به في زيورخ وكان ذلك في يناير 1912 ، غـير أنه لم يبق بزيورخ طويلا إذ كان العـديد من العـلماء الألمان وعـلى رأسهم شيخهم وكبيرهم ماكس بلانك يسعـون جاهدين إلى إعـادة آينشتان إلى برلين ، وكان العـرض الألماني هذه المرة مغـريا ، عـضوية الأكاديمية البروسية للعـلوم ومدير معـهد الفيصر ويلهلم للبحوث ، ومع أن عـالمنا كان يكره العـسكرية الألمانية إلا أن إغـراء العـرض كان من القوة بحيث لم يستطيع حياله قبولا .

  وهكذا عـاد آينشتاين إلى برلين في أبريل عـام 1914 ،  وفي أوائل عـام 1916 بلغ عـالمنا قمة مجده العـلمي بنشره بحثه الأساسي في نظرية النسبية العـامة .

 إن النسبية الخاصة قد وحدت بين ميكانيكا نيوتن والديناميكا الكهربائية لماكسويل شريطة أن تكون الأجسام منتظمة السرعـة في حركتها  ، أما النسبية العـامة فقد أزالت هذا الشرط ، كما أنها تتضمن مبدءا مهما قدمه آينشتاين لأول مرة وهو ( مبدأ التكافؤ ) الذي ينص عـلى أن ( مجال الجاذبية عـند اي نقطة في الفضاء يكافئ تماما أي مجال اصطناعـي للقوة الناتجة عـن التسارع بحيث يستحيل عـلى أي تجربة أن تميز المجالين ) .

 

  هدية آينشتاين للدنيا مخه :

 

  وكانت النهاية في يوم 18 أبريل عـام 1955 وفي مدينة برنستون الأمريكية التي كان عـالمنا يشغـل وظيفة أستاذ بمعـهد الدراسات المتقدمة بجامعـتها منذ أواخر عـام 1933 ، خارت قوى العـقل الجبار وتهادت خفقات القلب الضعـيف وذبل عـود الجسد النحيل ولفظت الأنفاس كما تلفظ دوائر الدخان .

 ولم ينس آينشتاين قبل أن يموت أن يوصي بمخه للبحوث العـلمية .