جيمس كليرك ماكسويل


 

 

ولد جيمس في مدينة إدنبرة يوم 13 نوفمبر عـام 1831 ، نفس العـام الذي أعـلن فيه فاراداي كشفه الشهير عـن توليد الكهرباء بتأثير المغـناطيسية ، ونشأ في أسرة سكتلندية عـريقة اشتهر أفرادها بالتفرد بقدر ما اشتهروا بالمواهب ، فكان منهم قضاة وساسة وشعـراء وموسيقيون وتجار وأصحاب مناجم ، وكان هو الابن الوحيد لمحام لم يهتم كثيرا بمزاولة المهنة بل وجه جل اهتمامه لإدارة مزرعـته الصغـيرة وحسن تنشئة ولده وكان هذا الوالد رجلا بسيطا ولطيفا يميل إلى المرح ولديه شغـف بالمسائل الميكانيكية ، أما زوجته فكانت ذات مزاج حاد .

 أمضى جيمس طفولته الباكرة في مزرعـة والده في جلينلير التي تبعـد مسيرة يومين بالعـربة عـن مدينة إدنبره ، وكان قصير النظر مليئا بالحيوية محبوبا ودودا كثير التساؤل ومغـرما بالآلات كأبيه .

 وماتت الأم بمرض السرطان عـندما كان صغـيرها في التاسعـة ومن عـجب أنه نفس المرض الذي قضى عـلى عـالمنا بعـد ذلك بنحو أربعـين عـاما ولكن موت الأم وحده بين الأب والابن وقرب ، ورب ضارة نافعـة .

 

   اسم السخرية دافتي :

 

  أرسل جيمس إلى المدرسة وكان تلميذا يمكن لرفاق الدراسة أن يسخروا منه وحقا كانوا يفعـلون فكانون يسمونه ( دافتي ) حتى غـلبتهم ألمعـيته ولما كان في السادسة عـشرة من عـمره دب الخلاف بينه وبين والده ، فقد كان يحلم هو بأن يصير عـالما بينما كان يأمل والده أن يراه محاميا وفاز هو ، وفاز العـلم معـه ، بدخوله جامعـة إدنبرة .

 

   رياضي بالفطرة :

 

  في الجامعـة بدأ نبوغـة في الرياضيات يظهر ، حيث حاز وهو في الرابعـة عـشرة من عـمره ميدالية الأكاديمية العـلمية في الرياضيات كما كتب بحثا عـن تصميم المنحنيات البيضاوية الكاملة بواسطة الخيط والأبر , وكان بحق طالبا غـامضا ، غـير مستقر ، ذا موهبة خارقة ، يكتب شعـرا غـريبا عـن مصير المادة والطاقة ، كان يقرأ بنهم ويمضي وقتا طويلا في التأملات الرياضية ، وفي التجارب الكيميائية والمغـناطيسية والكهربائية وكان يجلس إلى المائدة ويبدو بعـيدا عـما يجري منغـمسا في ملاحظة تأثير الضوء خلال الزجاج الذي يصنع مطيافا غـير مرئى .

 وفي عـام 1850 التحق ماكسويل بجامعـة كيمبردج حيث تتلمذ عـلى يدي وليم هوبكنز الذي كان يعـتبر أقدر اساتذة الرياضيات في عـصره ، فاهتم به .

 

  نظريات ومباحث غـريبة :

 

  كان ماكسويل يبدى من الاهتمام بالنشاطين الاجتماعـي والثقافي في الجامعـة قدر ما كان يعـمل بجد واجتهاد في الدراسة وها هو ينتخب عـضوا في نادي الحواريين وهو ناد يضم 12 عـضوا من زهوة شباب كيمبردج ، وكان أكثر الزملاء بهجة وظرفا وواضع نظريات كثيرة عـجيبة وناظم للكثير من القطع الشعـرية الركيكة .

 ولم تكن أقل نظرياته غـرابة هي تلك النظرية المتعـلقة بأوقات النوم ، فقد كان ينام من الخامسة بعـد الظهر حتى التاسعـة والنصف ، ثم يقرأ بغـزارة من العـاشرة حتى الثانية صابحا ، ثم يقوم ببعـض التمرينات الرياضية وخاصة الجرى في الممرات ، من الثانية إلى الثانية والنصف صباحا ، ومن الثانية والنصف ينام حتى تنتصف السابعـة .

 

 المرض والتفوق :

 

  في صيف عـام 1853 أصابت ماكسيوم الحمي المخية ، فظل مريضا أسابيع عـدة ولازمته أثارها فترة طويلة بعـد شفائه منها .

 في يناير عـام 1854 دخل امتحان مسابقة وقد لف بطانية حول رجليه وفق نصيحة والده ، حيث كانت به عـلة خفيفة ومع ذلك كان ترتيبه في المسابقة الثاني وكان الأول هو الرياضي الشهير إدوارد روث روث ، وفي مسابقة أخرى بكيمبردج للحصول عـلى ( جائزة سميث ) حيث كانت مواد الاختبار أكثر تقدما ، احتل ماكسويل وروث معـا المكانة الأولى .

 

  الفوز بميدالية رمفورد :

 

  بعـد حصول ماكسويل عـلى شهادته الجامعـية في عـام 1854 ، بقي في ترينتي عـامين يدرس فيها ويحاضر ويعـطى دروسا خاصة للتلاميذ ويجرى تجاربه في عـلم الضوء ، وقد صمم نحلة ذات أقراص ملونة لدراسة اختلاط الألوان .

 وقد أمكنه أن يثبت أن تركيبا مناسبا من ألوان ثلاثة أوليه ، هي الأحمر والأخضر والأزرق ، ينتج عـنها كل ألوان الطيف تقريبا ، ويعـتبر بحثه هذا أساس التلوين في التلفزيون ، لأن جميع الألوان في هذا الجهاز ناتجة من مركبات تلك الألوان الثلاثة بالفعـل .

 وقد حصل أخيرا عـلى ميدالية رمفورد من الجمعـية الملكية نتيجة أبحاثه الموفقة في عـلم الضوء .

 

  نشاط عـقب التخرج :

 

  لعـل أهم نشاط زاوله ماكسويل في العـامين اللذين لحقا تخرجه ، وهما العـامان اللذان قضاهما في ترينتي وكان قراءته المدققة لكتاب فاراداي ( بحوث تجريبية ) وكذلك بدء دراساته في الكهرباء وهي الدراسات التي أدت إلى أعـظم كشوفه وقبل مغـادرته ترينتي نشر أو عـمل كبير له وهو بحث جميل ( حول خطوط القوى لفاراداى ) .

 وفي عـام 1856 غـين ماكسويل أستاذا لكرسى الفلسفة الطبيعـية بكلية ماريثال بمدينة أبردين وكان من بين الأسباب التي حدث به إلى التقدم لهذا المنصب رغـبته في أن يكون قريبا من والده الذى كانت صحته آخذه التدهور ، بيد أن أباه مات قبل تعـينه في المنصب الجديد بأيام قلائل وكانت وفاة أبيه صدمه له وخسارة .

 وفي أبردين واصل ماكسويل بحوثه في الكهرباء إلى جانب اشتغـاله بالتدريس ولم يكن في التدريس موفقا ، ربما لارتفاع مستواه مقابل انخفاض مستوى ذكاء طلابه .

 

  البحث في زحل :

 

  اضطر ماكسويل إلى قطع دراساته في الكهرباء التي كان يجريها في أبردين مدة عـامين تفرغ فيهما للإعـداد لمسابقة أجرتها جامعـة كيمبردج للحصول عـلى جائزة عـن بحث حول حلقات كوكب زحل واستطاع أن يبرهن في رسالة رائعـة تقع في 68 صفحة وصفها أحد أعـضاء المرصد الملكي بأنها أعـظم مارأى من تطبيق للرياضيات عـلى أن التركيب الوحيد الثابت لابد وأن يتكون من جسيمات غـير متماسكة .

 ونالت الرسالة الجائزة ولم تكن مجرد وسلة لذلك فحسب وإنما كان لها أثرها الأعـمق فقد أرست مكانته قادة الفيزيقا الرياضية .

 

 النموذج الميكانيكي للغـاز :

 

   أثارت بحوث ماكسويل عـن زحل شغـفه بنظرية حركات الغـازات ، وقد تمخض عـن اشتغـاله في هذا المجال أن وضع تصميما ميكانيكيا للغـاز باعـتباره مجموعـة من الجسيمات المزدحمة تحمل معـها كميات حركاتها وطاقاتها ، تسير مسافات معـينة ، تصدم ، تغـير حركتها ، تستأنف سيرها ، وهكذا ، وبهذه الصورة التي أعـطاها ماكسويل للغـاز أمكن التوصل إلى تعـريفات كمية دقيقة للخواص المختلفة للغـازات مثل اللزوجة ولانتشار وحرارة التوصيل .

 

  أخصب سني الحياة :

 

  في صيف عـام 1860 انتقل ماكسويل إلى لندن لكي يعـمل أستاذا للفلسفة الطبيعـية في كلية الملك ، وبقى بها أعـواما خمسة ، وقد أتاح له سكنه في لندن فرصة التعـرف عـلى فاراداى الذي لم يكن يعـرفه إلا عـن طريق المراسلة وتعـرف أيضا عـلى عـلماء غـيره .

 لقد واصل فيها أبحاثه عـن الغـازات وكان يعـمل في ظروف قاسية ، كان يوقد نارا حتى في أشد الأيام قيظا لكي يحافظ عـلى ثبات درجة حرارة الغـرفة .

 

  النظرية الكهرومغـناطيسية :

 

  لقد أثارت اهتمامه نظرية فاراداى في التأثير الكهرومغـناطيسى وإنتاج الكهرباء من المغـناطيسية وكان فاراداى يستخدم في شروحه اصطلاح ( خطوط القوة ) ليشرح الفضاء المحيط بالمغـناطيس ، وقد كون ماكسويل في مخيلته نموذجا للمجال المغـناطيسي يتألف من أسطوانات دوارة تفصلها كرات صغـيرة ، وعـندما تدور إحدى الأسطوانات تنتقل الحركة عـبر الكرات فتدور الأسطوانات جميعـها ومن هذا النماذج استطاع أن يخلص إلى أربع أفكار رئيسة :  خط القوة المغـناطيسية خط مقفل بمعـنى أنه يكون ( خية ) ( أنشطة ) بلا نهاية ، خط القوة الكهربائية مقفل ، كذلك ويكون ( خية ) ويرتد نحو نفسه ، المجال المغـناطيسي المتغـير يحدث مجالا كهربائيا ، المجال الكهربائي المتغـير يحدث مجالا مغـناطيسيا .

 

  العـمل المجيد :

 

 حدث في عـام 1871 أن اتجهت السلطات في كيمبردج إلى إنشاء كرسى للعـلوم الطبيعـية التجريبية لتدخل الموضوعـات الجديدة التي شغـفت ذلك العـصر مثل الحرارة والكهرباء والمغـناطيسية في مناهج الجامعـة ، وقد منح مدير الجامعـة وهو أحد أفراد أسرة هنري كافندش الأموال اللازمة لبناء معـمل كافندش .

 وتفرغ ماكسويل وخصص وقته لتصميم المعـمل والإشراف عـلى بنائه وكان هدفه أن يصبح أحسن معـمل من نوعـه ، يحوى أحدث الأجهزة ويستخدم أحسن الأساليب في إجراء البحوث .

 واستكمالا لهذا لعـمل المجيد ، قام عـالمنا بتجميع بحوث كافندش وطبعـها ونشرها إذ لبث أعـواما خمسة في تحرير ونشر عـشرين مجموعـة من بحوث كافندش التي لم تكن قد نشرت .

 وكان المجلدان الرائعـان اللذان نشرا عـام 1879 سببا في تأكيد شهرة كافندش وعـظمته ، باحث القرن الثامن عـشر الموهوب ، الذى لم تكن بحوثه في الكهرباء معـروفة لمعـاصريه لأنها لم تخرج عـن حيز مذكراته وقد أعاد ماكسويل إجراء تجارب كافندش وبين أنه قد توصل إلى كشوف مهمة في الكهرباء من بينها قانون أوم .

 

  النبوءات الأربع الكبرى :

 

    أولها :   فاكتشاف الكوكب الثامن من كواكب مجموعـتنا الشمسية السيارة ، كوكب نيتون وتعـيين موقعـه وكتلته ومساره عـلى أيدى لفرييه وآدمز قبل رؤيته في كبد السماء .

   ثانيها : واكتشاف بعـض العـناصر المجهولة ن وفقا لما اقتضاه جدول كل من موزلي ومندلييف ثم الحصول بالفعـل عـلى هذه العـناصر .

  ثالثا : هي اكتشاف الموجات الكهرومغـناطيسية التي تنبأ بها ماكسويل .

 الرابعـا :  فتتمثل فيما ارتأته النظرية النسبية من افتراضات أثبتت الأيام صحتها وسلامتها .

 

   الهدوء في مواجهة الموت :

 

  في ربيع عـام 1877 بدأ ماكسويل يحس آلاما خانقة عـند البلغ ولأسباب خافية لم يستشر أحدا في هذا الأغـراض مدة عـامين مع أن حالته كانت تسوء بالتدريج .

 وفي عـام 1879 وعـندما كان يعـاني ألما عـظيما ، اضطر إلى استدعـاء الطبيب كان يصعـب عـليه أن يظل ساكنا لمدة دقيقة واحدة ، وجفا النوم مرقده وفقد شهيته مع أنه كان في أمس الحاجة للغـذاء .

  في اليوم الخامس من نوفمبر عـام 1879 ، مات وكتب طبيبه ( لم أشاهد رجلا قابل الموت بمثل هدوء ماكسويل ) .

 وعـندها دفن عـالمنا في حوض كنيسة بارثون في جلينلر ، لم يكن العـالم قد أدرك بعـد كل أرائه وأفكاره ومازلت مملكته التي نسجها تفكيره المبدع تنتظر من يكشف بعـض كوامنها .