هنري موزلي


 

 

 ولد موزلي في عـام 1887 وكان أبوه هنري نتدج موزلي أستاذ عـلم التشريح المقارن بأكسفورد ، مشهور بقوته البدنية ومقدرته عـلى تحمل أعـباء التعـبين الجسدي والعـقلي ، فأجهد نفسه كثيرا في البحث فأصيب بتصلب الشرايين ومات قبل أن يبلغ ابنه الخامسة ( عـام 1891 ) فنشأ الفتى تكفله أمه نشأة جديرة ببيت العـلم الذي ولد فيه .

 ولما بلغ الثالثة عـشر تمكن من دخول مدرسة إيتن وكانت حياته فيها حياة فتى إنجليزي سليم العـقل والجسم وكان ميله إلى الرياضيات بالذات قد تبدى وهو في التاسعـة ، لذا لما امتحن ثبت أنه يعـرف مبادئ عـلم الجبر مع أنه لم يتعـلمه قط والظاهر أنه كان يجلس في حداثته يعـد دروسه الخاصة ، إذ كانت أختاه الكبيرتان تتعـلمان عـلم الجبر فتعـلم هو منهما أصوله من غـير قصد ، وبالطبع كان نبوغـه هذا في الرياضيات ذا أثر كبير في نجاح مباحثه الطبيعـية من بعـد .

  مضت سنوات خمس وهو يدرس في إيتن ، بعـدها دخل فتانا كلية ترنتي في أكسفورد للتوفر عـلى دراسة العـلوم الطبيعـية وكان ذا عـقل ألمعـي متعـدد الجوانب ، إذ أنه قبل دخوله أكسفورد كان قد تفوق في دراسة الآداب القديمة ز

 وربما لم يكن ذلك جديدا عـليه فيبدو أن أسرة أبيه وأسرة أمه كانتا مشهورتين بذكاء أفرادهما وتفوقهم العـقلي فجده لأبيه كان عـالما رياضيا طبيعـيا وفكليا مشهورا وجده لأمه كان متفوقا في عـلم البحار وأخته الكبى نبغـت في عـلوم الأحياء .

 

  صمم الشاب عـلى أن يقف حياته عـلى البحث العـلمي ، فزار رذرفورد في جامعـة مانشستر قبل تخرجه من أكسفورد ووجد في هذا المعـلم الممتاز مثلا مجسدا نادرا للباحث العـلمي المطبوع واقترح عـليه الأستاذ أن ينضم إليه في بحث ظواهر الإشعـاع ، فطار موزلي فرحا وقفل عـائدا إلى بيته ومسألة البحث العـلمي تحت إشراف رذردفورد تستهويه من بعـيد ، تراود أحلامه وتدغـدغ فكرة وكيانه ولما كان التخرج من أكسفورد بعـد عـام وما إن حضر احتفال الجامعـة وتسلم شهادة منها حتى حزم أمتعـته قاصدا معـمل رذرفورد في مانشستر فوجد في مباحثه من اللذة ما حمله عـلى اعـتزال منصب المحاضر الذي عـرض عـليه في جامعـة أكسفورد لكي ينفق كل دقيقة من وقته فيما جذبه إليه واستهواه .

 

  كان من حظ موزلي أن تمرن عـلى البحث العـلمي تحت إشراف العـلامة رذرفورد فلما جاء إليه من أكسفورد بين له الأستاذ نوع البحث الذي ينبغـي أن ينصرف إليه أولا وهو إحصاء عـدد الإلكترونات ( الكهارب ) التي تنطلق من ذرات الراديوم في أثناء انحلاله فكان عـند حسن ظن معـلمه به ، ففي اجتماع الجمعـية الملكية الذي عـقد من السنة التالية أعـلن ان كل ذرة من الراديوم تطلق ما متوسطه إلكترون واحد قبل انحلالها وكان السير وليم كروكس الكيميائي الفذ جالسا في مقعـد الرئاسة فأصغـى إلى العـالم الشاب مشدوها ولما ختم كلامه هنأه الرئيس عـلى براعـته في توضيح موضوع عـويص كهذا الموضوع .

 

 الفاجعـة :

 

  في صيف عـام 1914 وبينما مدرسة العـلماء البريطانيين معـنية بالبحث عـن أسرار العـناصر دخل أحد تلاميذ الأستاذ تونزند بأكسفورد عـليه ليودعـه كان الفتى مسافرا إلى أستراليا لحضور مؤتمر المجمع البريطاني لتقديم العـلوم وكانت تصحبه أمه وهي الآن زوجة الدكتور صلس أستاذ الجيوليوجيا بأكسفورد .

 وصل الفتى إلى أستراليا يوم أذيع نبأ إعـلان الحرب بين إنجلترا وألمانيا وكان يود لو أتيح له الانضمام في الحال إلى الجيش البريطاني ولكن ارتباطاته السابقة حالت دون ذلك فأشترك في سيدني وملبورن في اجتماعـات العـلماء وقرأ في أحدهما برئاسة رذرفورد رسالته في ( طبيعـة العـناصر ) وقفل بعـد انتهاء المؤتمر عـائدا إلى بلاده لينتظم في الجيش وكان قد فرض عـليه أن يشتغـل في أحد معـامل البحث العـلمي التابعـة للحكومة فرفض مؤثرا الخدمة في الميدان .

  فألحق بفرقة المهندسين الملكية وفي 13 يونية عـام 1915 أرسل مع الجيش الذاهب إلى جليوبولي .

  وقد مات ميتة الأبطال وهو يلازم موقعـه حتى النهاية ، فلقد أصابته رصاصة في راسه وكانت الإصابة قاتلة وذلك يوم 10 أغـسطس عـام 1915 .