إرفنج لانجموير


 

 

لما ولد موزلي في إنجلترا كان هناك في إحدى ضواحي نيويورك فتى في السادسة عـلى الضد من الأول ، لم ينجب من أسرة اشتهرت بالعـلم بل كان والده قسا هجر اسكتلندا إلى كندا ، ثم هبط منها إلى الولايات المتحدة الأمريكية أما أسرة والدته فلن تجد فيها ما يحملك عـلى توقع النبوغ العـلمي لدى أحد من ذريتها .

 وكان إرفنج في حداثته يكثر من توجيه الأسئلة إلى والديه وإخوته عـما يحيط به من أشياء وأحداث وظواهر ولا يقنع في ذلك إلى بالجواب الشافي الذي يصيب المسألة ، وكان أخوه آرثر يدرس الكيمياء ، فكان الفتى ينهال عـليه بأسئلة يجيب عـن بعـضها ويعـجز عـن البعـض ولما كان إرفنج في التاسعـة صنع الأخوان معـملا صغـيرا في طابق بيتهم الأرضي ، كما أخذ يخزن في عـقله الحقائق عما يتبينه من أمور بيئته وكان شديد الولع ببناء الأشياء وتفكيكها ثم إعـادة بنائها ، لذا لما أرسل إلى مدرسة عـامة في بروكلن نفر من الدراسة لأنه كان يفضل عـليها  أن يعـبث في معـمله أو يقلق أخاه بأسئلته .

 وكان أخوه الأكبر آثر قد تخرج في جامعـة كولومبيا وقرر أن يسافر أوروبا وينتظم في جامعـة هيدلبرج الألمانية لمواصلة دراسته العـليا ومن ثم عـزم الوالدان عـلى صحبته .

 كذلك أتيح لإرفنج أن يسافر وهو في الحادية عـشرة إلى باريس حيث انتظم أخوه في مدرسة داخلية لدراسة الكيمياء قبل التحاقه بجامعـة هيدلبرج وكان الفتى يترقب زيارة أخيه له بفارغ الصبر ليستمع إلى قصص البحث العـلمي التي تقع له وهي قصص تفتن لبه فكان يجلس أثناء سردها مشدوها كأنما أخذ بسحر ساحر ، فلما كان في الثانية عـشر طلب أن يعـد له معـمل للبحث العـلمي واستجاب أخوه لطلبه فكان يقضي فيه الساعـات يجري التجارب المذكورة في كتاب عـلمي كان قد ابتاعـة .

  انتظم بعـد عـودته في كلية بفيلادلفيا ، فأثبت لأستاتذته ضلاعـته في الكيمياء ولما عـثر في أثناء ذلك عـلى كتاب في ( حساب التفاضل والتكامل ) فتحه وطالع فيه قائلا لشقيقه ( إنه كتاب سهل ) وفي العـام التالي ذهب إلى المدرسة التي كان شقيقه يدرس فيها الكيمياء ، ثم تخرج في مدرسة المناجم بجامعـة كولومبيا وسافر إلى ألمانيا ليدرس عـلى يد الأستاذ نرنست في جامعـة جوتنجن التي اشتهرت بأفعـال وهلر في الكيمياء الحيوية .

 وبعـد ما قضى في ألمانيا أعـواما  ثلاثة قفل عـائدا وهو يحمل لقب ( دكتور في الفلسفة ) وجعـل يدرس الكيمياء في معـهد هوبكن عـلى مقربة من نيويورك وفي صيف 1909 ذهب إلى مدينة سكنكتدي ، حيث أنشأت الشركة العـامة للكهرباء ( دارا للبحث العـلمي ) فعـزم عـلى أن يقضي عـطلة الصيف في هذه الدار .

 

 اصابة عـدة عـصافير بحجر واحد :

 

  فالصورة التي رسمها للذرة لم تفسر الألفة أو الفعـل الكيميائي تفسيرا مقبولا فحسب ، وإنما فسرت كذلك الكفاءة الكيميائية التي تعـني مقدرة العـناصر المختلفة عـلى الاتحاد بغـيرها وهو مصطلح ابتدعـه الكيميائي الإنجليزي فرانكلند في منتصف القرن التاسع عـشر فكأنه تصور ذرة العـنصر الفعـال لها أذرع كأذرع أخطبوط تمسك بها ذرات العـناصر التي تتحد بها .

 وقد ظل عـلماء الكيمياء محيرين في تعـليل هذه الظاهرة إلى أن عـللها عـالمنا حيث قال : إن مقدرة كل ذرة عـلى الاتحاد بغـيرها ( أي كفاءتها الكيميائية ) تتوقف عـلى عـدد الإلكترونات في كرتها الخارجية ، فالكلور مثلا في كرته الخارجية سبعـة إلكترونات ، يحتاج إلى إلكترون واحد لإكمال كرته ومن ثم كفاءته الكيميائية واحد والهيدروجين كفاءته الكيميائية واحد كذلك وعـليه فمن السهل تماما اتحاد ذرة هيدروجين بذرة كلور ليتكون من اتحادهما معـا حمض الهيدروكلوريك .

 ثم أن صورة لانجموير لبنية الذرة قد ألقت ضوءا كاشفا عـلى معـنى ( النظائر ) وهي العـناصر التي تتشابه في صفاتها ومكانها من الجدول الدوري ولكنها تتخالف في وزنها الذري ، فثمة عـنصر رصاص عـدده الذري 82 ووزنه الذري 207.2 ، وثمة رصاص آخر ينشأ من الراديوم بعـدما يتم إشعـاعة عـدد الذري 82 ولكن وزنه الذري 208 فهذان النوعان من الرصاص متشابهان في خواصهما ومكانهما من الجدول الدوري ولكنهما مختلفان في وزنهما الذري وقد ثبت فيما بعـد أن لكثير من العـناصر نظائر فللكلور نظيران وللأكسجين ثلاث ، ولما دقق عـالمنا في الأمر أدرك ان النظائر يجب ان تتشابه في عـدد الإلكترونات التي خارج النواة .

 ومعـنى هذا أنها يجب ان تتخالف في عـدد البروتونات والإلكترونات التي تتركب منها الذرة ، فلعـنصر الكلور مثلا نظيران لكل منهما 17 إلكترونا خارج النواة ، أما النواة في أحدهما فتتركب من 35 بروتونا و 18 إلكترونا وفي الآخر من 37 بروتونا و 20 إلكترونا وهذا يعـلل الفرق في وزنهما الذري .

 

   عـمل لانجموير مساعـدا لمدير معـامل البحث الذي تجلى فيه نبوغـه وقد تخلى رئيسه عـن منصبه فرفض هو تولي منصب إداري لئلا تلهيه تبعـاته عـن مباحثه العـلمية ، إنه يؤمن بقول هكسلي ( إذا أتيح للأمة أن تشتري فتى قد يصبح مثل وات أو ديفي أو فاراداي بمائة ألف جنيه لكان ذلك ثمنا بخسا ) وهذا عـالمنا نفسه يوفر ببحث واحد من بحوثه ما قيمته 200 ألف جنيه عـلى الشعـب الأمريكي في الليلة الواحدة .

 ولقد أعـرب الرئيس هوفر عـن مثل هذه الفكرة عـندما قال ( إن عـلماءنا هم أغـنى مقتنياتنا كل مال يهون إزاء عـمل هؤلاء الرجال بل هم المال نفسه وأكثر ،إننا لا نستطيع أن نقيس ما عـملوه لترقية العـمران وتقديم الحضارة بكل أرباح البنوك في مختلف أنحاء المعـمورة ) .