اللورد إرنست رذرفورد


 

 

ولد إرنست في نيوزيلندة عـام 1871 وتلقى تعـليمه بمعـاهدها وعـلى البعـد في إنجلترا كان هناك عـالم قائم بذاته ، إنه معـمل كافندش بجامعـة كيمبردج تلمح فيه آنذاك عـالم الفيزيقا الكبير جوزيف طومسون ومعـاونيه وهم صفوة عـلماء الفيزيقا المعـاصرين ، حقا عـددهم قليل ولكن طاقاتهم جبارة ولكن لابد من فتح الباب ن باب المعـمل لابد من دم جديد وجاء ( دمان ) جديدان في نفس اليوم من أكتوبر عـام 1894 أحدهما رذرفورد من نيوزيلندة والآخر تونزند من أيرلندا وكان رذرفورد قد قطع الشقة الطويلة بين بلده وكيمبردج لأنه قد سمح باسم ذلك المعـمل الذي يشع عـلما ويفرخ العـلماء وإليه كان النوابغ من طلاب العـالم يشدون الرحال ويجدون في المسير ، هناك كان يجتمع أبناء النبلاء في منافسة شريفة مع أولاد الفلاحين غـايتها العـلم ولا شيء غـيره .

  كان رذرفورد قد نال أعـلى الجوائز العـلمية في الكلية التي تخرج منها لذا تمكن من أن يتخصص بسرعـة في إنجلترا ولما لمح كلية ترنتي قفز قلبه فرحا في هذا الهيكل قدس نيوتن وماكسويل وإذ وقف أمام نوافذه الزجاجية الملونة آى عـلى نفسه أن يكون جديرا بأن ينضم إلى ركبهما .

 وفي الحال كان الوفاق بين التلميذ وأستاذه رذرفورد مع طومسون وانكب التلميذ عـلى البحث غـير ، ينفق كل دقيقة في العـلم وظل عـلى ذلك أربع سنوات .

  وفي نهاية تلك السنوات طلب إلى طومسون أن يختار من بين تلاميذه من يشغـل منصب أستاذ الفيزيقا في جامعـة ماكجل الكندية ولو أنه أغـمض عـينيه وأختار أي واحد منهم لكان أصاب ولكن رذرفورد كان في نظره اللؤلؤ البهية في ذلك العـقد النظيم كان قد راقبه في المعـمل فوجده لبقا ألمعـيا ، لايني ، يجري التجارب بأصابع العـازف وخيال الحالم وكان طومسون يشق عـليه بعـاده ولكنه كان واعـيا بأن المجال في ماكجل سينفسح أمام رذرفورد فيأتي بالعـجائب .

 وقبل أن يرحل رذرفورد كان قد اشترك في البحوث التي دارت في جامعـة كيمبردج حول مكتشفات كل من رونتجن وبيكيريل وماري كوري إنه ميدان حافل بالممكنات العـظيمة ، فأختاره ميدانا لبحثه وبدأ بعـنصري اليورانيوم والثوريوم .

 

  التمهيد لاكتشاف الإلكترون :

 

  كانت الأشعـة السينية قد اكتشفت عـلى يدى رونتجن في السنة التي انتظم فيها رذرفورد في جامعـة كمبردج ، فهاله ما انطوت عـليه من العـجائب وأدهشه إمكانية تصويرها صورا لأجسام تحجبها ألواح من الفولاذ ، أنها حقا ظاهرة جديدة لا تمت إلى طبيعـة القرن التاسع عـشر بصلة فأقبل عـليها العـلماء بنشاط عـجيب .

 وكان من أشهر ما اتصفت به أن اختراقها للهواء يجعـله مكهربا وقد كانت هذه الخاصة من خواصها من أبعـد الظواهر الجديدة أثرا في ارتقاء عـلم الفيزيقا الحديث ، إذ كان من المتعـذر عـلى العـلماء أن يكهربوا الهواء ، فلما اكتشف تلك الأشعـة سهل عـليهم ما كان بالأمس مستحيلا .

 فعـمد طومسون إلى استعـمال تلك الخاصة في بحوثه التي تدور حول إمرار التيارات الكهربائية في الغـازات وعـهد إلى رذرفورد في مساعـدته فمهدا بذلك الطريق لاكتشاف الإلكترون عـام 1897 .

 

  الاكتشاف الثلاثي :

 

   إنه اكتشاف الإشعـاعـات الموجبه والسالبة والمتعـادلة التي تنطلق من عـناصر الأملاح المشعـة .

  في عـام 1899 أثبت رذرفورد أن الإشعـاعـات المنطلقة من أكسيد اليورانيوم تحتوي عـلى شربين من الإشعـاع ، أطلق عـلى أحدهما ( أشعـة ألفا a ) وعـلى الثاني ( أشعـة بيتا B ) وقال إن إشعـة بيتا مؤلفة من كهارب ( إلكترونات ) تستطيع أن تخترق ألواحا كثيفة من المادة وتنحرف بالجذب المغـناطيسي ، أما أشعـة ألفا فهي أقل اختراقا للأجسام من أشعـة بيتا وأقل منها انحرافا بالجذب المغـناطيسي .

  وبعـد ذلك أثبت أنه يمكن حرف أشعـة ألفا في مجال شديد الممغـنطة وأنها تحتوي في الواقع عـلى ذرات الهيليوم وكان ذلك من خلال تجربة بديعـة : بعـد محاولات مضنية وفق رذرفورد إلى صنع أنبوب داخل أنبوب فملأ الأنبوب الداخلي ( بانبعـاث ) راديومي ثم ختمه ووضعـه في الأنبوب الآخر وفرغ ما بينهما من هواء وختم الثاني وهو لا يعـلم أن لا شيء يستطيع اختراق جدران الأنبوب الداخلي إلا دقائق ألفا ولكنه لشدة دهشته وجد ، حين اختبر ما تسرب من الأنبوب الداخلي إلى الأنبوب الخارجي ، أن الدقائق التي فيه هي ذرات الهيليوم .

 لابد من إعـادة التجربة وأعـادها غـير مرة حتى استوثق من صحتها ثم أعـلن اكتشافه هذا قائلا : إن دقائق ألفا المنطلقة من العـناصر المشعـة في أثناء انحلالها إنما هي ذرات مكهربة كهرباء موجبة من عـنصر الهيليوم .

 ثم اكتشف ضربا ثالثا من الأشعـة ينطلق من المواد المشعـة وهو شديد الاختراق للأجسام يشبه الأشعـة السينية في ذلك فدعـاه ( جاما ) .

 

 الكشف عـن خاصية الانبعـاث :

 

  كان مكتشفو الإشعـاع من عـلماء فرنسا يميلون إلى تفسيره تفسيرا كيميائيا فرأى رذرفورد أن ظواهر الإشعـاع المعـقدة لا يمكن أن يماط للثام عـن خفاياها بأساليب العـلماء الفرنسيين فعـزم عـلى ابتداع أساليب ومقاييس كهربائية لدراستها من الناحية الكمية لا الكيفية .

 كان الأستاذ كوري وزوجه قد اكتشفا البولونيوم والراديوم في عـام 1898 ، وكان شمدت قد كشف فعـل الإشعـاع في عـنصر الثوريوم ولما كانت هذه الظواهر الطبيعـية الجديدة معـقدة ولا عـهد للعـلماء بما يماثلها من قبل ، فقد تعـدد القول فيها واختلف .

 وفي عـام 1900 اكتشف رذرفورد أن عـنصر الثوريوم يطلق غـازا وأن هذا الغـاز مشع كذلك وهو يتبع من الناحية الكيميائية الغـازات الجديدة التي كشفت في الهواء من مثل الهيليوم والأرجون والكربتون وغـيرها .

 وكان كشف هذه الحقيقة ، حقيقة أن المواد المشعـة تطلق أو تقذف أجساما مادية وهي ما أسماها رذرفورد خاصية الانبعـاث الخطوة العـظيمة الأولى نحو فهم ظاهرة الأشعـاع عـلى حقيقتها .

 

  نظرية رذرفورد :

 

  في عـام 1907 عـين رذرفورد أستاذا للفيزيقا في جامعـة مانشستر وفي عـام 1908 منح جائزة نوبل في الكيمياء وهو لا يزال في السابعـة والثلاثين وقدمنح جائزة الكيمياء لا الفيزيقا لأن الإشعـاع كان لايزال في نظر العـلماء ظاهرة كيميائية لا فيزيقية ، وبمنحه هذه الجائزة انتهت المرحلة الأولى من حياته الحافلة وفيها أضاء الطريق لفهم عـملية الإشعـاع ، وذلك وحده كاف لتخليد اسمه في تاريخ .

 وبدأت المرحلة الثانية من 1907 إلى 1919 وهي السنوات الإثنا عـشر التي قضاها أستاذا في جامعـة مانشستر ففي خلال تلك المدة أوقف عـالمنا عـبقريته عـلى النفاذ عـن طريق الإشعـاع لمعـرفة ما يحدث داخل الذرة من تغـير كيميائي فكانت آثاره العـلمية في هذه المرحلة أفخم وأروع منها في المرحلة السابقة .

  في عـام 1911 وبعـد أن اكتملت الصورة أخرج رذرفورد نظريته .

  الذرة مؤلفة من نواة دقيقة ، هي ذلك الجسم تحتوي عـلى معـظم وزن الذرة وحولها تدور الإلكترونات عـلى أبعـاد مختلفة وأن الشحنة الكهربائية عـلى النواة شحنة موجبة وبينما شحنة الإلكترونات سالبة وهي تعـادل شحنة النواة الموجبة فتصبح الذرة في حالة حياد كهربائي .

 

 اكتشاف البروتون :

 

  لما وضعـت الحرب أوزارها في عـام 1918 استقال طومسون من منصبه في جامعـة كيمبردج وعـين رذرفورد مكانه عـميدا لكلية ترنتي ومديرا لمعـمل كافندس ، وعـاد التفكير في بنية الذرة فاستاذه طومسون كان قد كشف عـن الجزء السالب فيها ، فقال هو لابد أن يكون في كل ذرة جانب موجب يعـدل جانبها السالب ، ولما خالفه في ذلك بعـض عـلماء العـصر وعـلى رأسهم أرينيوس عـقد العـزم عـلى محاولة إثبات ما كان يعـتقد .

 وهنا كان الخيال رذرفورد المبدع أكبر الأثر في رسم الطريق ، قال إذا شئت أن تقتحم معـقل الذرة فعـليك بمقذوفات تدخله ، مقذوفات عـلى قدر عـظيم من القوة لتمزيق أوصاله وإن أقوى أنواع القنابل لتستحي إزاء المقذوفات التي يجب إطلاقها وكان رذرفورد يعـرف الكثير عـن دقائق ألفا والقوة العـظيمة المدخرة فيها ، فإن سرعـتها في إنطلاقها تمثل ضغـط سبعـة ملايين فولت وهي تنطلق من الراديوم بسرعـة 12 ألف ميل في الثانية ، سرعـة لو سرنا بها صوب الشمس لوصلناها في نحو ساعـتين .

  وفي يونيو عـام 1919 استعـمل رذرفورد مصورة ويلسن لتصوير مسارات دقائق ألفا التي أطلقها عـلى غـاز النيتروجين ، وكان ينتظر أن يرى مسالك دقائق ألفا خطوطا مستقيمة ولكنه لدى تظهير اللوح الفوتوغـرافي وتثبيته وجد واحدة منها قد انحرفت ، كأنها اصطدمت بكتلة أضخم منها وأثبت ، فارتدت أو حادت عـن مسارها المستقيم فإذا في داخل الذرة كتلة صلبة تحرف هذه القذيفة المنطلقة بقوة تفوق 400 ضعـف قوة رصاصة بندقية ، هنا فحص رذرفورد الغـازات بعـد الاصطدام فعـثر عـلى ذرات هيدروجين مكهربة كهرباء موجبة .

 ومضى بمساعـدة شادويك في إطلاق دقائق ألفا عـلى ذرات عـناصر أخرى كالصوديوم والألومينيوم والفوسفور وفي كل مرة كانا يجدان ذرات الهيدروجين قد انطلقت من نواة الذرة التي سددا عـليها دقائق ألفا .

 وفي الاجتماع الذي عـقده مجمع تقدم العـلوم البريطاني في صيف عـام 1920 أي بعـد إنقضاء 23 سنة عـلى اكتشاف الإلكترون ، أعـلن كل من رذرفورد وشادويك عـن كشفهما العـظيم .

  لقد اكتشفا قسيم الإلكترون في بنية الذرة ، لقد اكتشفا البروتون .