دميتري إيفانوفيتش مندلييف


 

 

ولد دميتري في اليوم الأول من فبراير عـام 1834 بتوبولسك التي تقع في بقعـة منعـزلة شرقي سيبريا وكان دميتري هو الابن السابع عـشر والأخير لناظر المدرسة العـليا المحلية وكانت أسرته من الرواد في مدينة توبولسك أنشأ جده أول مطبعـة هنا في عـام 1887 وتبعـها بأول جريدة في سيبيريا أما والدته وهي تتاريه جميلية فكانت من أسرة من الرواد كذلك لأن أسرتها مؤسسة أول مصنع للزجاج في سيبريا .

  وبعـد ولادة دميتري بفترة قصيرة أصيب والده بالعـمى واضطر إلى التخلي عـن عـمله فأعـادت والدته افتتاح مصنع أسرتها المهجور لتساعـد الأسرة في الحصول عـلى نفقاتها .

  ولما كانت توبولسك مركزا من مراكز النفي السياسي ، فقد أتيحت الفرصة لإحدى شقيقات دميتري بأن تتزوج منفيا سياسيا نفى إلى هناك إبان ثورة ديسمبر عـام 1825 وكان هذا المنفى صاحب ثقافة واسعـة ومن ثم تعـلم دميتري عـليه العـلوم الطبيعـية .

 وقد حدث أن دمرت النار مصنع الزجاج ، لذا قررت والدة دميتري الانتقال إلى موسكو ليتمكن ابنها الأصغـر وهو طالب عـلم نهم من الالتحاق بالجامعـة هناك .

 

  الرحيل إلى الجنوب :

 

   كان دميتري حينئذ في السابعـة عـشر لا يعـرف من اللهجات غـير السيبيرية لذا أخفق في مواجهة متطلبات الالتحاق بالجامعـة وانتقلت والدته إلى سان بطرسبرج فتعـلم الغـلام اللغـة الروسية وقبل في مدرسة تعـد طلابها لتتدريس في المدارس العـليا وقد تخصص دميتري في الرياضيات والطبيعـيات وبالذات في الكيمياء ورغـم أنه لم يكن يميل كثيرا للأدب أو اللغـات الأجنبية إلا أنه تخرج في تلك المدرسة وترتيبه الأول .

  كانت صحة دميتري ضعـيفة فقد كان يعـاني اضطرابات رئوية وزاد الطين بلة وفاة والدته فقد تأثرت أعـصابه وقرر الأطباء أنه لن يعـيش لأكثر من ستة أشهر ونصحوه بالرحيل إلى الجنوب حيث المناخ الدافئ في شبه جزيرة القرم وهناك حصل عـلى وظيفة معـلم للعـلوم .

  وقامت الحرب ، حرب القرم ومن ثم اضطر دميتري إلى العـودة إلى أوديسا ثم إلى سان بطرسبرج حيث حصل من جامعـتها عـلى إجازة تؤهله لأن يعـلم التلاميذ ويتلقى جزءا من المصروفات التي يدفعـونها بوصفه مرتبا له .

 

  عـود بعـد الرحيل :

 

  كانت فرصة تلقي العـلوم العـليا في روسيا ضعـيفة ولهذا حصل دميتري عـلى إذن حكومي للدراسة في كل من فرنسا وألمانيا وكان الرحيل .

  عـمل في باريس مع هنري رينو وهو عـالم كيميائي تجريبي ، ثم أقام في هيدلبرج معـمله الصغـير الخاص وهناك عـمل مع بنزن كما عـمل مع كيرشوف حيث طورا معـا المطياف ( السبكتروسكوب ) وهو جهاز لتحليل طيوف الأشعـة المنبعـثة عـن الأجرام السمائية ويفيد كذلك في التحليلات الكيميائية .

  وإبان دراسته في ألمانيا التحق دميتري بمؤتمر كارلسر حيث خطا ستانيلا وكانيزارو الخطوة الأولى التي أدت إلى انتصار نظرية أفوجادرو في الجزئيات واستخدام دميتري فيما بعـد جدول كانيزارو للأوزان الذرية عـندما كان يضع جدوله الدوري .

 وبعـد ذلك عـاد إلى سان بطرسبرج حيث قام بإنجازات كثير : تزوج وألف كتابا تعـليميا في الكيمياء العـضوية وحصل عـلى إجازة الدكتوراه في الكيمياء ببحثه في اتحاد الكحول والماء ، كما منح لقب أستاذ بجامعـة بطرسبرج في عـام 1865 ولم يكن يتجاوز بعـد الواحدة والثلاثين ، اعترافا بعـبقريته العـلمية من جهة وموهبته الفذة في التدريس من جهة أخرى وكانت فصوله دائما كاملة العـدد ، كما كان بنيانه القوي وعـيناه النافذتان وشعـره الأشعـث يضفيان عـليه صور غـريبة ولكنها تعـبر عـلى أية حال عـن مظهر يثير الاهتمام .

 

 ترقيع  الجدول الدوري :

 

  روجع جدول مندلييف الدوري وتم تطويره من قبل من جاؤا بعـد فإذا نظرنا إليه في صورته الحديثة فإننا نلاحظ ترتيب العـناصر فيه حسب تسلسل أعـدادها الذرية وفي هذا الترتيب يزيد ما تحتويه ذرة كل عـنصر بروتونا واحدا عـما تحتويه ذرة العـنصر الذي قبله وهي مرتبة كما في الجدول القديم في أعـمدة وصفوف يطلق عـلى الصنف الأفقي منها اسم ( الدورة ) وعـلى العـمود اسم ( المجموعـة ) ويعـتبر الجدول الدوري حقا إنجازا رائعـا للعـقل البشري ، حيث يمكن بمجرد النظر في المربع الخاص بعـنصر معـين استنتاج كل ما يتعـلق بهذا العـنصر : رمزه وعـدد الذري وكتلته الذرية والدورة أو المجموعـة التي ينتمى إليها ذلك العـنصر .

 

  رد الاعـتبار :

 

   كان التكريم لعـالمنا من جهات عـلمية عـديدة وكان هذا التكريم بمثابة نوع من رد الاعـتبار فقد انتخبته جامعـة موسكو عـضو شرف فيها ومنحته الجمعـية الملكية بلندن ميدالية ديفي مشاركة مع لوثار ماير لوضعـهما الجدول الدوري .

 وفي أوراخر أيامه دعـته الجمعـية الكيميائية البريطانية إلى حفل تكريم منحته فيه ميدالية فاراداي ولعـلها أرفع وسام في دوائر العـلم الكيميائي يظفر به عـالم ولما أعـطى كيسا يحتوي عـلى قدر من المال يعـطى عـادة في مثل هذه الحالات ، فتح الكيس وأخرج منه ما به من جنيهات ذهبية قائلا ( إنه لن يقبل مالا من جمعـية شرفته بتكريمها له في المكان الذي قام به فاراداي ببحوثه الخالدة ) .

  ومن ثم بدأت تنهال عـليه الألقاب من الجمعـيات العـلمية في أمريكا وألمانيا ومن جامعـات كيمبردج وأكسفورد وبرنستن وجوتنجن في إنجلترا .

  ولما عـين الوزير الروسى وت وزيرا للمالية في عـهد إسكندر الثالث عـين عـالمنا مديرا لمصلحة المقاييس والموازين .

 

   توفى مندلييف الذي كان يتوقع له ألا يعيش أكثر من ستة أشهر وهو في الحادية والعـشرين  متأثرا بالتهاب رئوي في عـام 1709 عـن عـمر يناهز الثالثة والسبعـين وقد بلغ عـدد العـناصر المدونة بالجدول عـند وفاته ثمانية وستين عـنصرا ثم اكتشاف معـظمها لأن الألغـوزة التي ابتكرها مندلييف كانت تشير إلى أن هنالك قطعـا لا تزال ناقصة بل تعـلم الإنسان أيضا كيف يستحدث عـناصر جديدة بالذرات القاذفة ولكن لم ينس العـلماء واضع أساس تصنيفها الأول .

  وتكريما لجهوده مندلييف في ابتداع ذلك التصنيف وتقديرا لدقة تنبؤاته فقد أطلقوا عـلى العـنصر الواحد بعـد المائة في جدوله الدوري اسم ( المندلييفيوم ) وحال وفاته كانت الكلمة ، قال باتيسن ميور ( للمستقبل وحده الحكم عـلى مدى بقاء الجدول الدوري لمندلييف أو زواله ) ولو أن مندلييف عـاش بضع سنوات أخر لكان رأي كيف أتم موزلي ما شيد هو من بناء حيث أتما معـا تخطيط خريطة العـناصر التي تتألف منها أشكال المادة .