جون دالتون


 

 

ولد جون دالتون في شتاء إنجلترا عـام 1766 ونما ذلك الطفل الضئيل ليصير غـلاما صلب العـود حي الضمير فما أن يوكل إليه أي أمر حتى يكافح من أجل تحقيقه ومتحديا في سبيل ذلك كافة الصعـاب بعـناد وإصرار وكثيرا ما كان مستر روبنسون يعـطي تلاميذ مسائل صعـبة في الرياضيات وكان معـظم التلاميذ يتوقفون عـن العـمل بعـد محاولات قليلة يائسة طالبين من أستاذهم أن يكشف لهم عـن الحل ولكن جون لم يكن أبدا من فريق المتخلين عـن العـمل بل كان يقول ( أرجوك لا تساعـدني يا مستر روبنسون ،يجب أن أصل إلى الحل بنفسي ) وكان يصل في معـظم الحالات .

 وكثيرا ما كانت المنازعـات الحامية في حجرة الدراسة تدور بين التلاميذ حول أفضل الطرق لحل المسائل التي يعـطيها لهم مستر روبنسون واتفقوا ذات يوم عـلى ( رهان ) ليعـززوا ما يعـتقدون أنه الصواب ولكن ذلك الفتى المتدين كان يكره المقامرة كراهية الموت ومن ثم أمرهم قائلا ( يجب عـليكم ألا تراهنوا بالمال ولكن يمكنكم أن تراهنوا بالشموع ) .

  وبمجرد وضع هذا المبدأ الأخلاقي الدال عـلى الدهاء شرع جون في كسب جميع المراهنات وحصل بذلك عـلى تموين كاف من الشموع الصغـيرة الرخيصة التي تزوده بالضوء .

 

 أول نظرية ذرية متكاملة في فروض أربعـة هي :

 

  1- تتألف المادة من دقائق صغـيرة لا تنقسم ولا تنعـدم تسمى الذرات .

 2 - ذرات العـنصر الواحد متماثلة ومتساوية في الوزن وتختلف عـن ذرات العـناصر الأخرى .

 3 - عـند الاتحاد الكيميائي يتحد عـدد قليل من ذرات العـنصر مع عـدد قليل من ذرات عـنصر آخر أو عـناصر أخرى لتكوين ذرة مركبة هي وحدة بنية المركب الجديد .

  4 -  الذرات المركبة للمركب الواحد النقي متماثلة ومتساوية في الوزن وتختلف عـن ذرات المركبات الأخرى .

   هذه هي فروض النظرية الذرية لدالتون وعـلى الرغـم من أن يد التطوير قد مستها فيما بعـد إلا أنها أصبحت بعـد عـشرين عـاما أساسا راسخا من أسس عـلم الكيمياء وإذا كان دالتون قد سجل في نظريته اختلاف الوزن للذرات المختلفة وعـرض قائمة بالأوزان الذرية فإن هذه هي أول مرة في التاريخ يستطيع فيها أحد العـلماء أن يسجل الاختلافات النوعـية والكمية للذرات .

    وفي بداية القرن العـشرين اخترع مجهرا بين للعـين البشرية دقيقة من دقائق المادة يبلغ حجمها جزءا من أربعـة ملايين جزء من البوصة ومع ذلك فأكبر الذرات أصغـر من هذه الدقيقة مائة ضعـف .

  إن في قطرة واحدة من ماء البحر خمسين مليون مليون ذرة من الذهب وبالرغـم من هذا العـدد الهائل لا بد من تقطير ألفي طن من ماء البحر لاستخراج جرام واحد من الذهب .

  وفي ثمانينات القرن العـشرين اخترع ( المجهر ذو المجال الأيوني ) الذي يكبر الاشياء 5 مليون مرة ، وبه أمكن رؤية الجزيئات ومع هذا لا تزال رؤية الذرات عـن أعـين الإنسان ببعـيد .

 

 إلى جانب البحث عـن بنية المادة وطبيعـتها وماهيتها كانت لعـالمنا اهتمامات أخرى ومن اهتماماته دراسة النجوم والكواكب وأصدر كتابا عـن الأجرام السمائية واهتدى إلى قانونين يحكمان حركة الغـازات هما : قانون شارل وقانون الضغـوط الجزيئية وكان ذلك في عـام 1801 وفي عـام 1808 أصدر أهم كتبه وأشهرها ( نظام جديد للفلسفة الكيميائية ) وقد استحق عـليه عـظيم التكريم .

 

 وكان دالتون أول من درس تغـير الضغـط البخاري بتغـير درجة الحرارة كما كان أول من قاس الارتفاع الحادث في درجة حرارة الهواء نتيجة الضغـط في حيز محصور وقد افترض إمكانية إسالة جميع الغـازات عـند ضغـوط عـالية ودرجات حرارة منخفضة كما تحقق من الطبيعـة الكهربائية للشفق القطبي .

 وفضلا عـن هذا فقد وضع دالتون قانون النسب المتضاعـفة في التفاعـلات الكيميائية واكتشف ( قانون دالتون ) الذي ينص عـلى أن ضغـط البخار المشبع لأي سائل يتخذ نفس القيمة عـند درجات حرارة مزاحة بالتساوي عـن نقاط غـليان تلك السوائل ، كما وضع رموزا لكثير من العـناصر والمركبات الكيميائية ووضع جدولا يظهر الرموز والأوزان الذرية لبعـض ( العـناصر ) وضعـه جون دالتون ما بين عـامي 1808 و 1810 ونظرا لاتصال الكيمياء القديمة بعـلم الفلك فضلا عـن امتزاجها بالدين والفلسفة فقد ارتبطت رموز العـناصر بكواكب معـينة .

 

  المساء الأخير :

 

   لقد حظى دالتون بتكريم العـالم له وتبجيله فقد سجل اسمه بحروف من نور في المجامع العـلمية في برلين وميونيخ وموسكو وتوسط بعـضهم لدى الملك البريطاني ليمنحه معـاشا وتم اكتتاب لإقامة تمثال رخامي يخلد ذكراه وهنا شعـر عـالمنا أنه عـلى وشك أن ينضم إلى صفوف أولئك  ( المحنطين المبجلين ) .

  وانتهى صنع التمثال ، فازداد دالتون أسا عـلى اساه وأشار إليه والحزن يعـتصره قائلا ( ذلك هو الكيميائي العـظيم دالتون أما أنا فإلى فناء ) وفي الطريق إلى الفناء أصابته نوبه شلل ولكنه سرعـان ما شفي منها جزئيا وعـاد إلى نيران معـمله ولكن شعـلة حياته المتأججة كانت إلى انطفاء .

 وذات ليلة أخذ يترنح في طريقه إلى معـمله ويتحسس ملتمسا دفاتره التي كان يسجل فيها تقاريره عـن الجو وقد ظل طوال خمسين سنة كاملة يوجه نفس الاهتمام الدقيق ليلة بعـد أخرى إلى نفس ذلك العـمل المتواضع حتى صار لديه الآن نحو مائتي ألف تسجيل ونظر إلى ساعـته وسجل الوقت لقد كانت التاسعـة إلا ربعـا وكان دائما يسجل قراءاته الليلية في ذلك الوقت تماما .

 والتقط قلمه ويده ترتعـش وسجل قراءة البارومتر كما سجل درجة الحرارة ثم كتب في العـمود الأخير ( سقط قليل من المطر في هذا ) وكان خادمه واقفا إلى جواره وأطرق برأسه وبدأ يترك قلمه ولكنه انتفض مستقيقظا فجأة لأنه تحقق من أنه لم يتم عـبارته بعـد وعـندئذ قبض عـلى القلم بأصابعـه الضعـيفة وكتب الكلمة الأخيرة  ( المساء ) .

  وذهب المساء وأقبل الصباح ولكن عـيني دالتون كانتا قد أغـلقتا إلى الأبد ولما توفي دالتون في عـام 1844 مر من أمام تابوته أربعـون ألف شخص فقد كان الناس حتى في ذلك الوقت يعـرفون أنهم يزفون للقبر عـملاقا .