أرسطو


 

ولد أرسطو في ستاجيرا التي تقع عـند الطرف الشمالي لبحر إيجا ، وكان أبوه ثيوماخوس مستنيراً ذا نفوذ ، إذ كان طبيب البلاط الملكي لجد الإسكندر الأكبر ، حصل عـالمنا وفيلسوفنا عـلى دراسته الأولية بالمنزل وزوده ولده بمعـلومات كثيرة في التاريخ الطبيعـي ، وقد مات أبوه وهو بعـد صبياً وأرادت له أمه أن يكون طبيباً كأبيه ، ولما بلغ الثامنة عـشر من عـمره سافر إلى أثينا وتتلمذ عـلى أفلاطون فيلسوف ذلك الوقت في أكاديميته لمدة عـشرين عـاماٍ ( 427-347 ق .م ) ، أظهر خلالها استقلالاً فكرياً وعـقلياً ، آخذاً من أفكار أفلاطون ما يشعـر بأنه مفيد ولكن يعـارضه ويزيد عـليه عـندما يشعـر بالحاجة إلى ذلك وكانت هذه الشخصية المستقلة في التفكير بمثابة مفتاح السر في عـظمة أرسطو وعـبقريته : عـالماً وفيلسوفاً ومعـلماً .

 

  وكان أرسطو يطمع في أن يلي استاذه في رياسة الأكاديمية ، فلما خاب رجاؤه غـادر أثينا إلى بلاط الأمير هرمياس في ولاية صغـيرة عتلى شاطئ آسيا الصغـرى حيث تزوج أخت الأمير وعـكف عـلى الدرس والبحث .

 

  معـلم الإسـكـندر الأكـبر :

 

  في عـام 342 ق . م ، ارتقى عـرش مقدونيا الملك فيليب بعـد وفاة أبيه ، واتخذ من أرسطو معـلماً لولده الإسكندر وكان إذ ذاك صبياً في الثالثة عـشرة من عـمره وظل أرسطو معـلماً للإسكندر حتى عـام 336 ق . م وهي السنة التي قتل فيها الملك فيليب المقدوني وصار ولده الإسكندر ملكاً من بعـده .

 

  لا لن تغـتال الفلسفة مرتين :

 

  عـاد أرسطو إلى أثينا حيث أنشأ الليسيوم وأخذ يلقي فيه طلابه يعـلمهم العـلم والحكمة والفلسفة وكان من عـادته أن يتمشى جيئةً وذهوباً أثناء إلقائه دروسه ولذلك سمى أتباعـه بـ ( المشائين ) أو ( الرواقـيـين ) واستمر عـميداً لليسيوم ثلاثة عـشر عـاماً وضع إبانها أعـظم مؤلفاته .

 

   مؤلفات أرسطو وطريقته :

 

   وكانت طريقته في الدرس والتأليف تدعـو إلى الدقة في تدوين الملاحظات للوصول إلى الحقائق بأنفسنا وعـدم الاعـتماد عـلى ما قاله الآخرون ويرى أن جمع الحقائق لا يعـتبر في ذاته عـلماً وإنما لا بد أن يتبع بالتفكير في هذه الحقائق بما يسمح باستنباط أحكام عـامة منها : قواعـد أو نظريات والنظرية التي  تكشف بهذه الطريقة ، يمكن الاهتداء بها إلى كشوف أبعـد مدى وبهذا نتقدم في فهم طبيعـة الوجود ويبين  أرسطو وإحدى نظرياته وهي نظرية العـناصر الأربعـة التي كان يعـتقد فيها أن لكل عـنصر صفتين من الصفات الأربع : حار ، بارد ، رطب ، جاف .

 

 أرسطو وعـلوم الحـياة :

 

  لعـل من أعـظم آثار أرسطو العـلمية الباقية هي تلك التي خلفها في مجال عـلوم الحياة فقد أظهر أرسطو في هذا المجال فهماً أخاذاً للطريقة العـلمية كما نفهمها اليوم ومن مؤلفاته في هذا الخصوص عـن العـقل ( في ثلاثة مجلدات ) ، عـن توالد الحيوانات  ( في خمسة مجلدات ) عـن أجزاء الحيوانات ( في أربعـة مجلدات ) ، ملاحظات عـن الحيوانات ( في عـشرة مجلدات) عـن النبات .

 وقد نالت طريقته في تسمية الكائنات الحية تقدير العـلماء ، فقد حاول جمع الحيوانات التي كانت معـروفة ونظمها في مجموعـات وابتدع مجموعـة من الأسماء بلغـت من الكمال والدقة أنها ما تزال تستعـمل حتى اليوم ، وكان أرسطو يزين كتبه في عـلوم الحياة بالرسوم التوضيحية  كما كان أول مبتدع للتشريح المقارن ، وأول من أشار إلى ضرورة دراسة سلوك الحيوان وقد حاول تفسير أسباب هجرة الطيور والأسماك ، كما بين ضرورة تقسيم الأحياء إلى طوائف وقبائل وفصائل حتى تتيسر دراستها واستعـمل كلمة تدل عـلى النوع وأخرى تشير للجنس وقسم الحيوانات إلى ولود وبيوض .

 وناقش أرسطو طبيعـة الحياة والأحياء وميز ثلاثة أنواع من الأحياء : النبات والحيوان والإنسان أدناها النبات وله ثلاث قوى : التغـذية والنمو والتوالد يليها الحيوان : يحس ويتحرك فله خمس قوى وأرقاها الإنسان فهو قادر عـلى التفكير بالإضافة إلى القوى الخمس السابقة .

 وتكلم عـن أصل الحياة ، فلاحظ أن الأجسام الحية تتولد من أخرى حية ولكنه قال بإمكانية تولد الحياة من اللاحياة في وجود جوهر نشط كالهواء .

 وعـرض لأفكار عـلمية في كل من عـلم وظائف الأعـضاء وعـلم الأجنة .

 

  غـروب فيلسوف :

 

  توفى أرسطو عـام 322 ق . م ، أي بعـد موت تلميذه النجيب الإسكندر الأكبر بعـام واحد وعـمره 62 عـاماً تاركاً عـمادة الليسيوم لتلميذه المحبوب ثيوفراستس ومخلفاً للإنسانية ثروة عـملية هائلة استحق من أجلها أن يخلع عـليه ( معـلم الإنسانية الأول ) .

 والحق أن أرسطو قد بلغ منزلة عـلمية لم يبلغـها أحد ، فكأنما أراد أن يكون قيماً عـلى المعـرفة الإنسانية كلها ونجح في ذلك نجاحاً لم ينله أحد قبله ولا بعـده .

 

  سقطات أرسطو :

 

  عـلى الرغـم من عـبقرية أرسطو الفذة إلا أنه كأي بشر كانت له سقطات ومن سقطاته في عـلم الفلك اعـتقاده بأن ( العـناصر ) يقصد الأجرام السماوية تسير في حركة دائرية ، فالدائرة جسم كامل الصورة ولذلك يبدو أنها الحركة الصحيحة للعـنصر الكامل ولكن كبلر أثبت في عـام 1609 خطأ هذا الاعـتقاد فالكواكب تتحرك في مدارات أهليلجية وليست دائرية وكم لقى من صعـوبة في إقناع نفسه بصحة هذا الأمر وسلامته بسبب التاريخ الطويل للعـنصر السماوي الكامل الذى قال به أرسطو .

 

 ومن سقطاته في عـلم الطبيعـة أنه قد عـرف منذ عـصر جاليليو أنه بغـض النظر عـن مقاومة الهواء ، فإن الأجسام الخفيفة والثقيلة تسقط بنفس السرعـة ، ولكن أرسطو كان يرى منطقياً  أن الجمسم الثقيل يسقط أولاً قبل الجسم الخفيف وكذلك تشكيكه في طبيعـة المادة الذرية لأنه استبعـد إمكانية وجود فراغ بين الجزئيات ولكن تجربة بسيطة كان يمكن أن تبين له خطأه .

 

 ومن سقطاته في عـلم الكيمياء أنه رأى أن جميع المواد في الكون تتألف من عـنصر واحد ولكن تم الكشف عـلى ما يزيد عـلى مائة عـنصر حتى الأن .

 

 ومن سقطاته في عـلم الحياة رأيه أن القلب مقر العـقل وأن وظيفة المخ لا تعـدو مجرد تبريد القلب وأن يمنع زيادة حرارته عـن المطلوب .

 

 ومن سقطاته في عـلم الحياة أيضاً : مناداته بنظرية التولد الذاتي ، ورأيه أن الذكر لا يمد اأنثى بشئ  ملموس في عـملية الإخصاب ومعـنى هذا أنه لم يتبين وجود الحيوانات المنوية ، كما أخطأ في فكرته عـن رأس الدودة الشريطية ، فالدودة ليست كما تصورها بيضة وضعـت قبل أوانها ، بل هي تنقلت في الواقع وتقلبت في الأدوار المختلفة للجنين ، كذلك أضله بعـض ما شاهده من أحوال الحيوانات الخصية فلم ينسب للخصية وظيفتها .

 

 ومن سقطاته الأخرى إيمانه بأن الرق أمر طبيعـي بل وضروري ، وبأن المرأة متخلفة في تكوينها وتفكيرها عـن الرجل .

  ولكنه كان عـلى حق في كثير وإذا كان معـظم نظرياته وآرائه قد بطل الآن ، فإن أبقى ما أبقاه لنا أرسطو هو إمكانية البحث العـقلي في كل شيء .

 

  التاريخ يقول كلمته :

 

   1 - فهو الذى كتب في كل شيء : في الفلك والجغـرافيا والطبيعـة والجيولوجيا وعـلم الحياة بكل فروعـه ، مثل عـلم الأجنة وعـلم التشريح المقارن وعـلم وظائف الأعـضاء كما كتب في اللاهوت والاقتصاد والسياسية والخطابة والدساتير ، فضلاً عـن المنطق الذي اسسه والفلسفة التي أثراها بفروعـها المختلفة مثل عـلم النفس والأخلاق وعـلم الجمال .

 

 2 - وهو الذى جعـل كل شيء وكل فكرة وكل عـقيدة يمكن إخضاعـها للعـقل الإنساني .

 

 3 - وهو الذي أكد أن الكون لا يخضع للصدفة ، وإنما لناموس حاكم وقوانين ضابطة تعـلو عـلى رغـبات الإنسان .

 

  وإذا كان عـلى التاريخ أن يقول كلمته ، فإن أرسطو كان بحق معـلماً أولاً للإنسانية وهو وإن كانت له زلاته فلا أثر لها إذا ما قورنت بالتراث الفكري الضخم الذي خلقه للأجيال من بعـده زاداً ونبراساً ، بالأول تقتات وبالثاني تهتدى .