أبو عـثمان الجاحظ


 

 

هو عـمرو بن بحر بن مجنون الكناني الفقيمي البصري المكني ( أبو عـثمان الجاحظ ) ولد في البصرة في عـهد الخليفة العـباسي المنصوري ، مات والده وهو صغـير فعـاش يتيما في البصرة في عـهد الخليفة العـباسي المهدي وترعـرع في كنف والدته الفقيرة التي اهتمت بتعـليمه القراءة والكتابة وقد شارك الابن والدته في كسب قوتهما فكان عـندما ينتهي من دراسته يبسط لبيع الخبز والسمك وذات مرة استهوته حلقات البحث العـلمي التي كانت تقام في المساجد فبدأ يحضرها ،  فتوقف عما كان يبيع وصار يأتي لأمه الأرملة بكراسات الدراسة بدلا من النقود ، ولما طلب منها ذات مرة وجبته الغـذائية قدمت له طبقا مملوءا بالكراسات .

 تأقلا عـمرو واكنه استمر في حضور حلقات الدراسة التي يديرها كبار العـلماء المسلمين وذات مرة لاحظ الأستاذ الحزن عـلى وجه عـمرو الطالب النبيه الذي يبشر بالخير فسأله فقص عـليه قصته فأعـطاه خمسين دينارا فذهب غلى السوق واشترى ما لذ له وطاب وكم كانت فرحة والدته .

 

  اعـتنق الجاحظ مذ حداثته مذهب المعـتزلة ، والمعـتزلة فرقة محايدة بين أهل السنة والخوارج في مسألة مرتكب الكبيرة فهم من أقوى الإسلامية التي دافعـت دفاعـا مميتا عـن الدين ضد الكفار وسبب تسميتها كذلك أنها اعـتزلت عـن الإمام عـلي بن أبي طالب ، فم تحاربه أو تحارب معـه ومؤسس هذه الفرقة ، ذات الفلسفة الخاصة هو واصل بن عـطاء الذي عـاش فيما بين 80 و 131 هـ ( 699 و 749 م ) وسبب تأسيسه لها أنه اختلف مع العـلامة الحسن البصري حول مرتكب الكبيرة مما دفعـه إلى إنشاء تلك الفرقة التي كانت لها صولة في العـصر العـباسي وجولة

 ويبنى مذهب المعـتزلة عـلى خمس : العـدل ، والتوحيد ، والقول بالوعـد والوعـيد ، والقول بالمنزلة بين المنزلين ، والأمر بالمعـروف والنهي عـن المنكر وهو يعـت في جذوره عـلى بعـض نظريات فلاسفة اليونان وخاصة أرسطو وأفلاطون وأتباع هذا المذهب من أشد المؤمنين بسلطان العـقل ووجوب تحكيمه في كل أمر من الأمور ، يقول الجاحظ بعـد أن أعـتنق مذهب المعـتزلة وصار من كبار أئمته : ( لعـمري إن العـيون لتخطئ والحواس لتكذب وما الحكم القاطع إلا للذهن ، وما استبانة الصحيح إلا للعـقل ) .

 

  مؤلفات الجاحظ :

 

   1 - كتاب الحيوان : يبدأ الجاحظ بحثه بالمناظرة بين كلب وديك تلك المناظرة التي شغـلت حتى أئمة عـلماء الكلام في عـصره ، يمضي الكلام عـن المناظرة بين الكلب والديك متوقفا أحيانا ليفاضل بينهما ، ويدور حول الحمام وأنواعـه وطبائعـه والذباب والغـربان والجعـلان والخنافس والهدهد والرخم والخفاش ، ويبحث في الذرة والنمل والقرد والخنزير والحيات والظليم ، ويتضمن أجناس البهائم والطير التي تألف دور الناس محللا الفرق بين الإنسان والبهيمة ، يبحث في الضب والهدهد والتمساح والأرانب وفيه كلام كذلك عـن الثأر عـند العـرب ، وفيه حديث عـن الزرافة والفيل وذوات الظلف وما إليها .

  2 -  كتاب البخلاء : وهو كتاب أدب ودعـابة وفكاهة ، يتضمن مجموعـة من الصور القصصية والنوادر التي تصف حياة البخلاء وهو من أنفس كتب الجاحظ وأمتعـها ، تكاد روحه الساخرة تطل من دفتيه بعـد أن شاعـت في جنباته وفي الكتاب مقارنات بين البخل والكرم والمؤلف يكشف في ذلك اللثام عـن نزعـة عـربية أصيلة ، فقد كتب ( البخلاء ) دفاعـا عـن العـرب وفي وجه من سفهوا هذه الصفة من الفرس ، وهو إذ يهاجم البخل لا يدافع عـن الإسراف والسفه وإنما يذكر دائما بفوائد التوسط والاعـتدال ، وللكتاب فائدة كبرى أخرى حيث يطلعـنا عتلى مظاهر الحياة في المجتمع العـباسي الأول وبخاصة مجتمع البصرة وبغـداد وخراسان والكتاب مرجع حي لمن يريد دراسة أحوال البشر وعـاداتهم في ذلك العـصر .

 3 - كتاب البيان والتبيين  : وهو كتاب في الأدب قدمه إلى القاضي أحمد بن ابي دؤاد فأجازه عـليه خمسة آلاف دينار ، ويقع الكتاب في أجزاء أربعـة يتكلم الجاحظ فيها عـن العـي والفهامة وفصاحة اللسان وما يعـيبها كالالتواء في الحديث واللثغـة في اللسان والخطابة وما يشوهها كالنحنحة والسعـال وقد دون فيه آراء العـرب واليونان والروم والهنود والفرس وغـيرهم حول البلاغـة في النثر والشعـر .

 ومن الكتب الأخرى :  كتاب المعـرفة وكتاب مسائل القرآن وكتاب فضيلة المعـتزلة وكتاب إمامة معـاوية وكتاب الرد عـلى النصارى وكتاب الزرع والنحل وكتاب المعـلمين وكتاب الطفيليين وكتاب الرد عـلى اليهود وكتاب المزاح والجد وكتاب الأمثال وكتاب الحاسد والمحسود وكتاب فضل العـلم .

  وفضلا عـن هذه الكتب وغـيرها فللجاحظ رسائل كثيرة لعـل من أبرزها ( التربيع والتدوير ) والتي تعـطي انطباع هجاء الجاحظ لأحد كتاب عـصره ، أحمد بن عـبدالوهاب ، ولكنها ذات قيمة فلسفية هامة وأما الرسائل الباقية التي يناهز عـددها الثلاثين فيمكن تجميعـها في الصنوف الثلاثة التالية :

 

   الأولى : رسائل ذات طابع سياسي اجتماعـي أخلاقي مثل : مناقب الترك ، فضل هاشم عـلى عـبد شمس ، فخر السودان عـلي البيضان ، الحنين إلى الأوطان ، الحجاب ، التبصر بالتجارة .

   الثانية : رسائل ذات طابع كلامي مثل : العـثمانية ، استحقاق الأمة ، حجج النبوة .

   الثالثة :  رسائل ذات طابع أدبي مثل : كتمان السر وحفظ اللسان ، والفداوة والحسد ، مفاخرة الجواري والغـلمان .

 

   المرض والعـدواة والحسد :

 

  عـاش الجاحظ في أواخر حياته عـيشة قاسية طاردته الأمراض وأمسكت به العـلل فكاد أن يكون مقعـدا ، غـير أن هذه العـلل التي أقعـدته لم تقعـد همته السامية عـن السمو ولا ذهنه الصافي عـن التوقد ، فواصل التأليف والكتابة حتى ألف أكثر من ثلاثة مائة وخمسين كتابا ورسالة أسهمت في إثراء الكتبة العـربية ، كما استمر في دأبه عـلى معـاشرة الكتب ومجالسة العـلماء مناقشا ومجادلا ومحاورا ومناظرا .

 وهذا العـملاق ، فضلا عـن العـلل ، قاسى الأمرين في حياته من الحساد الذين تعـرضوا له بالتجريح والاتهامات ومن الذين عـادوه لأمور لا يملكها ، وهو هنا يفرق بين العـداوة والحسد ، فالعـداوة تقترن بالعـقل أما الحسد فلا يواكبه عـقل ، والحسد يبدأ بالأدنى أما العـداوة فبالأبعـد الحسد يستمر مادام المحسود ، أما العـداوة فتحدث لعـلة وتزول بزوالها والعـداوة تضعـف أما الحسد فيزكو ، والحسد آلم وآذى من العـداوة وهو ناتج عـن فساد الطبع واعـوجاج التركيب واضطراب النفس والحسد أخ للكذب أما العـداوة فقد تخلو من الكذب والحسد أفشى في أهل العـلم وحسد الجاهل أهون من حسد الفطن .

 

  بالنسبة لشخصيته :

 

  1 -  لم يكن الجاحظ منطويا عـلى نفسه معـزولا عـن الناس وإنما كان يخالطهم عـلى اختلاف ألوانهم ومستوياتهم .

  2-  ذاق كلا من الفقر والغـنى وقاسى اللعـنة في الحالين .

  3 - عـانى من نعـمة العـبقرية ولعـنتها .

 4 - أحب الدنيا وآمن باللـه وكان عـصاميا معـظم حياته يعـمل ويتعـلم في آن .

 5 - عـاصر أحد عـشرة خليفة من خلفاء الدولة العـباسية وشهد أحداثهم وشارك في تخليدها في كتبه .

 6 - ظلت له مكانته بين الحكام والعـلماء والخاصة والعـامة إلى لحظة أن مات .

 7 - تميز بسرعـة نكتته وحضور بديهته وشدة سخريته حتى عـلى نفسه من نفسه .

 8 - كان سمحا متسامحا يدعـو للتعـاون والمحبة بين الأمم والشعـوب ولم الفرقة وكلهم .

 9 - برزت صورته البهية التي شكل ملامحها : ذكاؤه وفطنته وظرفه وحسن معـشره وفصاحته وقوة حجته وتوارت خلقته الدميمة التي جسد هيئتها قبحه وبذاذته .

 10 - كان عـزوفا عـن المناصب محبا للعـلم عـاشقا للكتب .

 11 - كان مدافعـا فذا عـن الإسلام غـيورا عـليه فخورا بعـروبته .

 

   وبالنسبة لكتبه :

 

  1 - كانت مصنفاته درة في المحتوى ، وقمة في المستوى ، وآية في العـرض وروعـة في المعـالجة .

 2 - كانت من التنويع والشمول بحيث استوعـبت فروعـا كثيرة من المعـرفة .

 3 - تميزت بأسلوبه الأدبي الرفيع حتى في آثاره العـلمية والكلامية .

 4 - كان يعـمد فيها عـندما يخشى ملل القارئ أو سآمة السامع إلى الخروج من ج إلى هزل ومن حكمة بالغـة إلى نادرة طريفة أو ملحة ظريفة .

 5 - كان يعـتمد في تأليفها عـلى المراجع المشهورة حتى لا يعـطي فرصة لطاعـن أو مغـمز لحاقد ومع استناده عـلى تلك المنابع فلم يقف منها موقف المقتبس وإنما الناقد والمقيم والفاحص والممحص والمجرب وذا الرأي .

 

  وبالنسبة له كعـالم :

 

  1 - اجتمعـت فيه الخصال الثلاث : الموهبة الأدبية والتميز العـلمي والأصالة في التفكير فكان بحق الأديب العـالم الفيلسوف .

 2 - تميز منهجه العـلمي بدقة ملاحظته ورهافة حسه وكثرة فضوله ونفاذه إلى الأعـماق واختباره العـلة من وراء المعـلول والأسباب من بعـد النتائج وجنوحه إلى التجربة والتشبت بنفسه مما يقرأ أو يسمع أو ينقل وسعـيه إلى استقرار الناموس الذي يحكم الأشياء والأحداث والظواهر .