ابن سينا


 

 

في مدينة بخارى عـلى نهر زارفشان ( جمهورية أوزبكستان حالياً ) ، استقر الداعـية عـبدالله بن عـلى بن سينا وصحب معـه زوجته ستارة وولديه الحسين والحارث ، فقد عـينه الأمير نوح بن منصور أمير الدولة السامانية والياً عـلى بخارى .

   وأولى عـبداللـه ابنه الحسين اهتمامه لما لمح فيه من أمارات الذكاء وحب المعـرفة منذ كان في السابعـة من عـمره ، فحفظ الحسين القرآن الكريم والكثير من الشعـر والنثر عـلى أيدي معـلمين متخصصين ، وذات يوم قال الفتى لأبيه : أريد أن أتعـلم حساب الهند ، وقد سمعـت أن العـالم الرياضي المسلم أبا موسى الخوارزمي قد وضع فيه كتاباً ، وقد بحثت عـنه عـند الوراقين في بخارى ولكنني لم أجد له أثراً ، فقال الوالد : ستجده عـند صديقنا بائع البصل ، وهو بعـلم الحساب خبير فاذهب إليه في السوق .

  وأغـلق بائع البصل متجره وتفرغ للحسين بضعـة شهور عـلمه خلالها في قصر ابيه كتابين ( الحساب الهندي ) و ( الجبر والمقابلة ) وكلاهما للخوارزمي وأجزل عـبداللـه العـطاء لصديقه بائع البصل تعـويضاً له عـن إغلاق متجره .

 

   اللقب الجميل :

 

   قدم إلى بخارى عـالم متفلسف هو أبو عـبيد اللـه النائلي ، ونزل ضيفاً مقيماً في قصر صديقه عـبداللـه ، وكان الحسين آنذاك مشغـولاً بدراسة الفقة عـلى أستاذه إسماعـيل الزاهد ، كما كان شديد الرغـبة في دراسة الفلسفة والمنطق والرياضيات والطبيعـيات ، وكان أبو عـبيداللـه لها عـارفاً وبها خبيراً وعـالماً ، فقال له الحسين : عـلمني كل ما تعـلمه ولا تشفق عـلي فأنا قادر عـلى الجمع بين دراستها جميعـاً ، وبدأ معـه المعـلم بعـلم المنطق الذي وضع أسسه معـلم الإنسانية الأول وفيلسوف اليونان الأشهر أرسطو .

  وقسم الحسين كل وقته ، في نهاره وليله بين أستاذيه الزاهد والنائلي ومجالس العـلماء فأخذ يدرس مع الفقه منطق أرسطو تميداً لدراسة عـلم الهيئة ( الفلك ) والأصول الهندسية ، ثم الارتقاء منها لدراسة الطبيعـيات والفلسفة في خاتمة المطاف .

  ومرت سنوات ثلاث بلغ الحسين بعـدها الرابعـة عـشرة من عـمره وقد تعـلم في هذه السنوات الثلاث عـلم الهيئة لبطليموس والأصول الهندسية لإقليدس وتعـرف عـلى المقولات الفلسفية لجميع فلاسفة اليونان الذين ترجمت آثارهم إلى العـربية .

  وتاقت نفس الصبي لدراسة الطبيعـيات والإلهيات والطب واختار عـالمين طبيبين يتردد عـليهما في مسجد بخارى الجامع وفي قصريهما وهما طبيباالأمير نوح : الحسين بن نوح القمري وأبو سهل المسيب ، فتنهد عـبداللـه وقال لولده : صرت رجلا قبل الأوان ، فأنت تعـرف ما يلزمك وتحدد الطريق إليه ، لك ما شئت يا أبا عـلي وفرح الصبي لأن أبه لقبه بلقب ( أبي عـلي ) اللقب الذي كان الناس يخاطبون به الحسين بن عـلي بن أبي طالب في المدينة المنورة .

 

  الطب أمره هين :

 

  انقضت سنوات ثلاث أخرى والحسين قد أفرغ نفسه لتعـلم الطب عـلى أيدي أستاذيه القمري والمسيب ووضع الحسين معـرفته بالطب في معـالجة المرضى الفقراء في بخارى ولكن بغـير أجر ، ويجري التجارب العـملية في بيته عـلى ما عـرفه من الكيمياء في العـقاقير النباتية والحيوانات والمعـدنية ، فانفتحت له بتجاربه وعـلاجاته آفاق جديدة في الطب والكيمياء لا عـهد لأحد بها من الأطباء والكيميائيين في زمانه .

  وكان يقوم لأستاذيه : الطب مثل الكيمياء لابد أن يقترن في كل منهما العـلم بالعـمل وترتبط النظرية بالتطبيق والطب أمره هين لمن يعـطيه حب القلب وذكاء العـقل ونظر الأستاذان أحدهما إلى الآخر في دهشة ، وقال له القمري : لم يكذب أستاذك النائلي يا أبا عـلي حين حذر أباك من اشتغـالك في حياتك بأي أمر آخر سوى العـلم .

 

  مرض الأمير والطبيب الصغـير :

 

  في تلك الأيام انتشرت الأمراض بين الناس في بخارى وانتشرت حتى دخلت قصور عـليه القوم من الأمراء والأغـنياء وكان من بين المرضى الأمير نفسه ، نوح بن منصور ، حيث كان يشكو من قرحة في المعـدة ومن التهاب القولون ولما يئس طبيباه من قدرتهما عـلى شفائه لم يجدا مفراً من نصح الأمير باستشارة الطبيب الصغـير أبي عـلي ، فعـلاجاته مستحدثة لا عـهد لأحد بها .

  فأرسل الأمير في طلب ابن واليه عـلي بخارى لعـالجه ، ودهش أبو عـلي وقال لأستاذيه : كيف أعـالج أميراً أنتما طبيباه وكلاكما أستاذ لي ، أن أذنتما لي أشرت له بعـلاج تداويانه به ويكون شفاؤه بفضلكما بعـد الله سبحانه وتعـالى ، فضحك المسيب قائلا : يا أبا عـلي ، صرت الآن من العـلم بالطب في مكانة رفيعـة ، ونحن نعـرف تواضعـك وإنك تنكر احتكار العـلماء للعـلم ، لكنني وصاحبي لن نحرمك فضل عـلاج الأمير .

  فحص أبو عـلي الأمير وأدرك عـلته وعـرف دواءه ، كما استأذنه في أن يلزم نظاماً غـذائياً خاصاً مع الدواء واستسلم الأمير لطبيبه الفتى ، محروماً مما لذ له وطاب وما هي إلا أيام حتى أخذت آلام معـدته وأمعـائه تخف وتزول حتى شفى تماماً .

  من اليوم أنت يا أبا عـلي بين أطبائي واحد منهم ، هكذا كان جزاء الطبيب الفتى من الأمير ، بل زاد الأمير : نجحت في شفائي فتمن عـلى واطلب ما تشاء من المال ولم يطلب أبو عـلي مالاً إنما طلب ما هو أغـلى وأثمن ، طلب القراءة ( إن مكافأتي يا مولاي هي أن تسمح لي بقراءة ما في مكتبتك من كتب فقد سمعـت بضخامتها وتنوعـها ) .

  وصحب الأمير بنفسه طبيبه إلى مكتبه قصره وكانت مكتبة عـامرة بها ثلاثون ألف كتاب ، ليس بينها واحد مكرر النسخة وليس بينها إلا ما هو مرجع فريد في ذاته ووضع أبو عـلي لنفسه نظاماً يغـطي ليله ونهاره لقراءة ما يقع عـليه اختياره من نفائس الكتب في المكتبة وفي قصرأبيه وحين يعـسر عـليه فهم مسألة من مسائل العـلم يخلو بنفسه للصلاة ويبتهل للعـليم الخبير أن ييسر له فهم ما شق عـليه فهمه ويظل ساهراً يقرأ ويفكر حتى يغـلبه النوم والسراج بجانبه مضاء .

 

  كتاب في يد دلال :

 

   قرأ أبو عـلي كتاب ( ما وراء الطبيعـة ) لأرسطو مرات عـديدة بلغـت الأربعـين حتى حفظه ولكنه عـلى دقة فهمه وحدة ذكائه عـجز عـن أن يفهم ما فيه ، بل وعـجز عـن فهم غـرض أرسطو منه ، فيئس من هذا الكتاب بل ومن نفسه واهتزت ثقته بعـبقريته .

  وذات يوم والوقت عـصراً ، كان أبو عـلي بحي الوراقين في بخارى ، ومر بدلال كتب ينادي عـلى مجلد في يده يعـرضه للبيع واعـترض الدلال طريق أبي عـلي ملحاً عـليه أن يشتري الكتاب بثمن بخس ، دراهم معـدودات ولن يندم وأشفق أبو عـلي عـلى صاحب الكتاب الذي لم يكن ليفرط فيه لولا حاجته إلى ثمنه ونقد الدلال دراهم ثلاثة وفي حديقة البيت قصر أبيه وتحت خميلة مزدهرة في يوم صيف نظرا أبو عـلي في الكتاب الذي فرض عـليه فرضاً وما لبث أن فتح فمه شاهقاً بدهشة وفرح وهب واقفا ثم جلس ، فالكتاب لفيلسوف زمانه ونابغـة عـصره وأوانه الفارابي والكتاب في أغـراض كتاب ما وراء الطبيعـة لأرسطو .

 ولم ينم أبو عـلي إلى الصباح عـكف ليلته عـلى الكتاب ووجد نفسه يفهم ما حفظه حرفاً بحرف وكان سعـيداً بشرح الفارابي له وحسن كشفه لأغـراضه ومراميه .

  وإذ إشرقت الشمس غـادر أبو عـلي صحن مسجد بخارى ، إثر انتهاء صلاة الفجر وتصدق بمال كثير من ماله الخاص عـلى فقراء بخارى شاكرا الله عـلى نعـمته إذ يسر له فهم ما لم يكن يفهم .

 

  الرحيل عـن بخارى :

 

  مني أبو عـلي بمصائب ثلاث :

 

  فقد اشتد المرض مرة أخرى بالأمير نوح ، وكانت التوترات العـصبية التي يسببها له أمراء الأقطار التابعـة له تزيد من هذا المرض وتضاعـفه عـليه ولم تفلح هذه المرة في عـلاجه وشفائه أدوية أبي عـلي ، فأسلم الأمير روحه إلى بارئها وكانت هذه المصيبة الأولى .

 وأما الثانية ، فكانت احتراق مكتبة القصر عـن آخرها ومع أن أبا عـلي كان ليلة الحريق في بيته مع أصداقائه ولم يغـادره فقد تحدث العـلماء من الحاسدين لأبي عـلي والحاقدين عـليه ، عـن أنه هو الذي أحرقها حتى لا يعـرف أحد سواه ما كان في كتبها من عـلوم ومعـارف وعبثاً راح أستاذة أبي عـلي الأحياء يدافعـون عـنه ولزم أبو عـلي بيته حزيناً ينتظر خمود الشائعـة واستقرار الأوضاع في أرجاء دولة بني سامان .

  وأما ثالثة ، فقد كانت ذات صباح بلغ فيه أبو عـلي الثانية والعـشرين من عـمره صحا من نومه عـلى أصوات في قصر أبيه تعـلن بالنحيب والبكاء وفاته وصدمت اللحظة أبا عـلي وبهت ولشدة حزنه عـلى أبيه استعـصى الدمع عـليه .

 

  ولم يجد بداً من الرحيل عـن بخارى ، هارباً من مدينة فقد فيها أميره وودع بها أباه واتهم فيها ظلماً بحرق مكتبة نادرة ، مدينة تغـرب شمسها ويذوي مجدها .

 

  عـشرة سنوات في الجرجانية :

 

   لم يجد أبو عـلي مشقة في الوصول إلى الأمير عـلي بن مأمون أمير خوارزم في قصره بالجرجانية ورحب الأمير بأبي عـلي وأحسن استقباله وضمه إلى مجمعـه العـلمي الذي كان يضم صفوة العـلماء في زمانه من مثل الفيلسوف أبي سهل المسيحي والطبيب أبي الخير الحسن والرياضيين أبي نصر بن العـراق وعـبدالصمد الحكيم والجغـرافي الفلكي أبي الريحان البيروني .

  وبدأ أن الأيام ستطيب لأبي عـلي بين أساتذة من عـلماء عـظام ، هو بينهم الأصغـر عـمراً يتعـلم منهم ما لديهم من العـلم ويعـلمهم ما يعـلمه منه وقرر ألا يشتغـل بالسياسة مثلما كانت حاله مع أبيه في بخارى وأن يعـكف عـلى العـلم فحسب .

 وتوالت السنون متتابعـات عـلى أبي عـلي في الجرجانية ألف خلالها كتباً قيمة منها ( الحكمة العـروضية ) و ( الحاصل والمحصول ) و ( البروالإثم ) و ( المختصر الأوسط ) و ( المبدأ والمعـاد ) و ( الأرصاد الكلية ) وكانت كتب قيمة في معـارف شتى في الفقه والفلسفة والفلك .

 وشارفت سنوات أبي عـلي في الجرجانية حدود العـشر ، وبدأ يؤلف كتابه الأشهر في الطب ( القانون ) ولم يكد ينتهي من جزئه الأول حتى اضطر إلى الرحيل عـن الجرجانية بصحبة صديقه العـالم الفيلسوف أبي سهل المسيحي وكان السبب أطماع السلطان محمود الغـزنوى في بلاد الأمير المأموني : خوارزم .

  وفي ظلام الليل غـادر العـالمان الصديقان المدينة متخفيين في ثياب الدراويش حتى لا يتعـرف عـليهما أحد من جواسيس السلطان محمود وعـيونه .

 

    الذكرة الحديدية :

 

  وفي الطريق تعـرض الرفيقان لأخطار شتى كانت إحداها عـاصفة رملية عـاتية هبت عـليهما في الصحراء قضت عـلى أبي سهل ونجا أبو عـلي ، فبكى صاحبه وواصل هروبه حتى وصل إلى جرجان عـاصمة الدولة الزيارية وفي جرجان نزل أبو عـلي ضيفاً عـلى الفيلسوف أبي حمد الشيرازي الذي قدمه إلى الأمير قابوس ، فضمه إلى مجلس عـلمائه وأحسن استقبالة وأكرم وفادته

 وجاء لزيارته عـالم فقيه هو أبو عـبيدة الجرجاني ، واستراح كل منهما لصاحبه ومن ثم صارا صديقين حميمين واعـتاد أبو عـلي أن يملي عـلى صديقه أبي عـبيدة ما يريد تدوينه من مؤلفات حتى يفرغ عـقله للتفكير فيما يمليه ويحرر عـقله من أعـباء الكتابة وكان أبو عـبيدة شديد العـجب من أمر صاحبه فهو يملي ما يمليه مما يختزنه عـقله من عـلم ولا يكلف نفسه مشقة الرجوع إلى كتب ، حسبه فقط قبل أن يملي ما يمليه أن يرجع إلى ملاحظاته في دفاتره وأن يحدد كتابة بيده نقاط موضوعـة وينظمها في تسلسل متواصل يرتبط فيه اللاحق بالسابق .

  وكان أبو عـلي يملي ما يمليه في كتابين أحدهما ( القانون ) الذي كان قد أنجز جزء الأول في الجرجانية والأخر ( الشفاء ) وهو في عـلوم الطبيعـيات والرياضيات والإلهيات وكان من عـادة أبي عـلي ألا يتوقف عـن إملائه ، من ذاكرته التي لا تخونه إلا حين يقول له صاحبه : بلغـنا خمسين صفحة عـندئذ يبتسم أبو عـلي راضياً ، فتطوى الصحف وترفع الأقلام وتبدأ سهرة السمر مع الإخوان من العـلماء بعـد منتصف ليل جرجان .

 

  الهروب الثاني :

 

  صار أبو عـلى أقرب العـلماء إلى نفس الأمير قابوس ، فأخذ يستشيره ف يشؤون الحكم وأمور الدولة ويعـمل الأمير بنصائح صديقه العـالم ومشورته وضاق قواد جيش الأمير بهذه الصلة بين الأمير والعـالم فدبروا له انقلابا عـسكريا ، أدى إلى مقتل الأمير وهروب أبي عـلي وتلميذه أبي عـبيدة وكان كلاهما في ثياب المتصوفة .

 

  الأمير العـاشق :

 

  نزل الصديقان في خان بمدينة همذان وسمرا في الليل مع صاحب الخان فحدثهما عـن قريب للأمير شمس الدولة البويهي نزل به مرض عـجيب لم يعـرف له الأطباء في همذان عـلاجا ، فهذا الأمير ملازم للصمت عـازف عـن الطعـام والكلام حتى بشكواه مما يؤله واقترح أبو عـبيدة عـلى أبي عـلي عـلاجه .

 وفي الصباح يسر صاحب الخان للغـريبين سبيل الوصول إلى مريض قصر الأمير وعـندما وصلا وجده أبو عـلي راقداً ، ورآه شابا وسيما ساهما شارداً شاحبا وتفحصه أبو عـلي ولكنه أدرك أن المريض لا يعـاني من مرض ألم بجسمه وإنما هو مريض بنفسه .

  وطلب أبو عـلي أن يؤتي له برجل يعـرف كل بلاد الإمارة البويهية مدنها وقراها ، فجيء له بتاجر دائم الأسفار فأجلسه بجانبه وأمسك هو بيسراه المعـصم اليسرى للمريض وضعـا إبهامه عـلى عـرق النبض وأخذ التاجر يذكر أسماء البلاد حتى إذا ذكر اسم بلدة بعـينها أحس أبو عـلي بنبض مريضه الشاب يشتد خفقه عـندئذ صرف أبو عـلي التاجر وطلب رجلا آخر يكون من أهل المدينة التي خفق لذكرها قلب المريض فجيء له بدلال أخذ يذكر أسماء الأحياء في هذه البلدة وأسماء شوارعـها وعـندما نطق الدلال باسم شارع بعـينه خفق قلب الشاب بعـنف فطلب أبو عـلي من الدلال أن يذكر أسماء العـائلات التي تقطن في هذا الشارع وأسماء بناتها وحين ذكر اسم أسرة بعـينها تسارعـت ضربات قلب الشاب ، فلما نطق باسم فتاة بعـينها اضطربت النبضات وارتجفت الجفون وانهمرت الدموع ودفع الشاب بأبي عـلي وهو يخفي وجهه بكفيه .

 وابتسم أبو عـلي وقال : مريضنا يحب هذه الفتاة التي سمعـتم أسمها وفي رؤيته لها ، راحته وفي زواجه منها شفاؤه .

 وكان الفرح ، لقد تزوج الشاب بمن يحب فهدأت منه النفس ومن ثم هجع الجسد وكان أبو عـلي قد بلغ العـمر خمسا وثلاثين سنة ولما عـلم الأمير بما حدث لقريبه أحب أبا عـلي وأدناه من مجلسه .

 

  أبو عـلي رئيسا للوزراء :

 

  أفرد الأمير شمس الدولة قصراً لأبي عـلي ، وألح عـليه ليكون رئيساً لوزرائه ومستشاراً له في شؤون الحكم وقبل أبو عـلي عـلى أن تكون إدارة أمور الدولة بالعـدل والنزاهة ونظم أبو عـلي ساعـات يومه كلها في النهار يدير أمور الحكم وفي الليل يملي عـلى أبي عـبيدة بحضور رهط من أصدقائهما العـلماء ، خمسين صفحة من كتابه ( القانون ) أو من كتابه ( الشفاء ) قائلا للعـلماء من حوله : لا ينبغـي لعـالم أن يبقى شيئا من العـلم في نفسه ، دون أن يدونه في كتاب قبل أن يلقي وجه ربه . وحين ينتصف الليل ويقضي مع صحبه ساعـتين من السمر والطرب ، يذب بعـدها أبو عـلي لينام ثلاث ساعـات لا تزيد .

 

  البعـض يفضلونها قصيرة وعـريضة :

 

  كان أبو عـبيدة يشفق عـلى أستاذه من الإسراف : في الطعـام وفي اللهو وفي التأليف وفي إدارة شؤون الوزارة ن فيقول له أبو عـلي ضاحكا : يا أبا عـبيدة حياة قصيرة وعـريضة غ،ية بالمتع الثلاث ، العـلم والمسرة والعـمل ، لهي خير عـندي وأحب من أخرى طويلة وهزيلة خاوية ينحني في خاتمتها الظهر ويسير صاحبها عـلى ثلاث : قدميه والعـصا .

 

  القرار المشؤوم :

 

  اصدر أبو عـلي قراراً وقعـه الأمير شمس الدولة ، قراراً بكف قواد الجيش عـن تولي أمور الخراج وجباية أموال الفقراء بأكثر مما يطيقون وما إن سمع قواد الجيش بهذا القرار حتى ثاروا وهاجموا قصر أبي عـلي ، وقبضوا عـليه وضربوه ضرباً مبرحاً ، وساقوه مقرنا بالأصفاد ، وحبسوه في إحدى القلاع ولم يكفهم هذا بل توجهوا إلى قصر الأمير وطالبوه بأن يصدر حكماً بإعـدام أبي عـلي .

  لكن شمس الدولة كان فائق الشجاعـة فرفض أن يصدر هذا الحكم ، فهو شريكه في القرار ، وأبو عـلي عـالم لا نظير له ولن يقول التاريخ عـنه إنه قتل عـالماً مثله ، واكتفى الأمير بإلغـاء القرار ، كما قبل بعـزل أبي عـلي من رئاسة الوزراء وأن يظل حبيس القلعـة لا يغـادرها ، كما قبل قواد الجيش أن يحسنوا معـاملة أبي عـلي في محبسه وأن يسمحوا له بالكتب والأوراق والأقلام .

  وهنا مرض الأمير مرضاً حار الأطباء في عـلاجه ، وقبل قواده خروج أبي عـلي من سجنه لعـلاج أميرهم ، ولما نجح في ذلك أعـاده الأمير لرئاسة الوزراء في همذان وما هي إلا شهور ويموت الأمير ويخلفه عـلى عـرشه ابنه الأمير تاج الدولة .

  ولم يكن هذا ( التاج ) قوي الشكيمة ، ففتح أذنيه لحساد أبي عـلي وخصومه ومن ثم عـزله من رئاسة الوزراء وقطع عـنه كل رواتب الإمارة .

 

 

  ابن سينا طبيباً :

 

   كان له منهجه الخاص في التشخيص ومعـالجته لمرضاه عـلى غـرار الطريقة الحديثة المتبعـة الآن وهي الاستدلال بأشياء معـينة كالبول والبراز والنبض ، كما كان يولي الحالة النفسية للمريض واضطراباته العـصبية عـناية خاصة ، لإيمانه بالتلازم المتبادل بين النفس والبدن .

  ومن إنجازاته في الطب ، نذكر مجالات ثلاثة رئيسة : الطب العـام والجراحة والطب النفسي والتأليف الطبي .

 

  الطب العـام والجراحة :

 

  كان لابن سينا في هذا المجال إنجازات كثيرة منها : وصفه الدقيق للالتهاب السحائي ، وتمييزه بين الشلل الناتج عـن سبب داخلي في الدماغ وذلك الناشئ عـن سبب خارجي ، ووصفه السكتة المخية ( الدماغـية ) الناتجة عـن كثرة الدم مخالفا بذلك الوصف اليوناني لها ، والذي كان سائداً آنذاك .

  ومعـرفته لإماكنية انتقال بعـض الأمراض عـن طريق وسيط ، كالماء أو التربة ، ودراسته أمراض الجهاز الهضمي دراسة متعـمقة مبينا تأثير أحوال النفس فيه ، وتشخيصاته الدقيقة لبعض الأمراض التي كانت سائدة عـلى عـهده ، مثل داء الجنب وخراج الكبد وحصى المثانة ، وقوله أن مركز البصر ليس في الجسم البلوري كما ظن من هم قبله وإنما في العـصب البصري ووصفه الدقيق لبعـض أمراض النساء ، كالعـقم وانسداد المهبل وحمى النفاس وبيانه أن النفساء عـرضة لأمراض كثيرة كالنزف واحتباس الدم كما أن تعـفن الرحم قد ينشأ عـن عـسر الولادة أو موت الجنين ، ولم يكن أبقراط أو جالينوس قد عـرفا هذه  الأسباب من قبل .

  وإذا كان أول من اهتم بالجراحة من العـلماء العـرب هو أبو بكر الرازي ثم عـلي بن عـباس الجوسي ، فإن ابن سينا شرح كثيرا من العـمليات الجراحية التي ذكرها الأطباء السريان ولكنهم لم يجروها ، كما كان الزهراوي فخراً للجراحة العـربية .

 

   الطب النفسي :

 

  درس ابن سينا مؤلفات الرازي خاصة موضوع الاضطرابات العـصبية وتأثير الحالة النفسية عـلى المريض وعـرف من مؤلفات الرازي بعـض الحقائق النفسية ، وأن من العـوامل النفسية والعـقلية الحزن والخوف والقلق والفرح وغـيرها وقد اهتم بالأسباب النفسية في عـلاج مرضاه  فقد اعتمد في عـلاج الأمير بالعـوارض النفسية المؤثرة في النبض ، الذي تعـمق في دراسته حتى جعـل منه عـلماً خاصاً ذاكراً حالته في كل مرض ، يقول ( إن الغـضب يجعـل النبض عـظيماً متواتراً لا يقع فيه اختلاف ، لأن الانفعـال متشابه إلا أن يخالطه خوف أو خجل أو منازعـة ، وأما النبض في السرور فإنه قد يعـظم في الأكثر مع لين ويكون من إبطاء وتفاوت وأما الفزع المفاجئ فيجعـل النبض سريعـاً مرتعـداً مختلا غـير منتظم ) .

 

   التأليف الطبي :

 

  لعـل من أروع إنجازات ابن سينا مؤلفاته الطبية وعـلى رأسها مؤلفه الخالد    ( القانون في الطب ) الذي جاء بمثابة موسوعـة طبية في مليون كلمة يفاخر بها العـرب والمسلمون ، ففي هذه الموسوعـة خلاصة الفكر اليوناني في الطب مع خبرات ابن سينا واجتهاداته الخاصة ، نقل أولا من اللغـة العـربية إلى اللغـة اللاتينية عـن طريق جيرارد الكريموني .

  ويقع القانون في الطب في خمسة كتب قسمها ابن سينا عـلى هذا الكتاب الأول : في الأمور الكلية في عـلم الطب ، الكتاب الثاني في الأدوية المفردة ، الكتاب الثالث في الأمراض الجزئية الواقعـة بأعـضاء الإنسان عـضواً من المفرق إلى القدم ، ظاهرها وباطنها ، الكتاب الرابع في الأمراض الجزئية التي إذا وقعـت لم تختص بعـضو ، الكتاب الخامس في تركيب الأدوية وهو الأقرباذين .

  ويلاحظ عـلى ( القانون ) الطابع الفلسفي المعـني بالتنظيم والترتيب والتصنيف ومحاولة تطبيق الاعـتبارات الفلسفية عـلى الطب ، لذا يلقب ابن سينا أحيانا بـ( فيلسوف الطب ) أو ( جالينوس العـرب ) عـلماً بأنه فاق كلا من أرسطو وجالينوس في دقته وشرح آراء جالينوس وأبقراط وحاول التوفيق بين تعـاليم جالينوس وأرسطو ، فكان أن دون في موستوعـته عـلوم الطب إلى زمانه ونقحها جميعـاً وزاد عـليها وأفاض .

 ومن مؤلفات ابن سينا الطبية الأخرى : كتاب القولنج ، وكتاب الحواشي عـلى القانون ، ومقالة سماها أرجوزه في الحميات والخرجات ، ومقالة في النبض ( بالفارسية ) ورسالة فيما يتعـلق بالحواس والعـقل ، ورسالة في القوى الإنسانية وإدراكها ، وأحكام الأدوية القلبية ، وخصب البدن والفصد ، وتشريح الأعـضاء ، وحفظ الصحة ، وما يدفع ضرر الأغـذية ومن مؤلفاته في الطب النفسي : أحوال النفس ، وأحوال الروح ، وتعـبير الرؤيا وشرح كتاب النفس لارسطو ، والفراسة واختلاف الناس في أمر النفس وأمر العـقل .

 

  ابن سينا صيدلياً :

 

  الصيدلية وصيفة الطب وسادنته ، لذا اهتم ابن سينا اهتماماً بالغـاً بدراسة الأعـشاب لاستخراج الأدوية التي يحتاجها لعـلاج مرضاه ، ونجح نجاحاً باهراً في استخلاص الأدوية الكيميائية النقية من مصادرها الطبيعـية ، تلك الأدوية التي تمتاز كثيراً عـن الأدوية التي تحضر في المختبرات الحديثة ، لذ نبغ في مجال العـطاريات والعـقاقير الطبية والأقرباذين ، وقد خصص جزءاً كاملا من كتابه ( القانون في الطب ) لدراسة هذه العـقاقير من حيث طرق تحضيرها وكيفية استعـمالها .

  وكانت أعـمال ابن سينا في العـقاقير الطبية بحق الأساس في إرساء مبادئ عـلم الصيدلة ومن دراساته في هذا المجال تبين له أن معـرفة الأدوية وفعـاليتها تعـتمد عـلى طريقتين : تجريبية وقياسية .

  وقد قسم الجملة الأولى  عـن الأدوية المفردة إلى ست مقالات تعـد أساساً لازما لأي دراس لعـلم العـقاقير والأقرباذين :

    المقالة الأول :  في أمزجة الأدوية وقد تحدث ابن سينا فيها عـن صفات الأدوية المفردة من حرارة ورطوبة وبرودة ويبس ، قياساً إلى بدن الإنسان وبين أن صفات الأدوية المفردة تتغـير بتركيبها مع أدوية أخرى وفرق بين مزج الذي ينتج عـنه خليط من المادتين أو ينتج عـنه مركب مختلف لتفاعـلهما وأن صفات كل منهما تختلف عـن صفات العـناصر الأصلية التي يتكون منها الخليط أو المركب .

  وهذا النهج في الترتيب وهو التعـرف عـلى الشيء قبل تعـرف ما ينتج عـنه يعـد دليلا عـلى حسن العـرض ومنطقية التسلسل .

  المقالة الثانية : في تعـرف قوى أمزجة الأدوية بالتجربة بعـد مراعـاة شرائط :

 1 - أن يكون الدواء خالياً عـن كيفية مكتسبه بالتسخين أو التبريد أو ما شبه ذلك .

 2 - أن يكون المجرب عـليه عـلة مفردة .

 3 - أن يكون الدواء قد جرب عـلى المضادة ، فقد ينفع الدواء من مرضين وبذلك يكون نفعـه    من أحدهما بالذات ومن الآخر بالعـرض أي نتج عـن أثر له في شيء آخر .

  4 - أن تكون القوة في الدواء مقابلاً بها ما يساويها من قوة العـلة ويجب أن يجرب أولاً عـلى الأضعـف ، ويتدرج يسيراً حتى تعـلم قوة الدواء .

 5 - أن يراعـى الزمان الذي يظهر فيه أثره وفعـله فإن ظهر فعـله أول استعـماله أقنع أنه يفل ذلك وإن تأخر أو ظهر له فعـل مضاد عـند أول استعـماله فهو موضع اشتباه .

 6 - أن يراعـى استمرار فعـله عـلى الدوام وعـلى الأكثر فإن لم يكن كذلك فصدور الفعـل عـنه بالعـرض .

 7 - أن تكون التجربة عـلى بدن الإنسان .

  المقالة الثالثة : في تعـرف أمزجة الأدوية المفردة بالقياس وخلاصة ما ذكره ابن سينا أنه ينظر فيما ثبت نفعـه بشيء  ، ويعـرف طعـمه وريحه ولونه وسائر أعـراضه ويلحق به كل ما شاكله في ذلك ، أي يكتسب بهذه الطريقة دلائل واضحة عـلى قوى مجهولة ، فبعـد وصوله إلى أحكام عـامة بالاستقراء ، فإنه يستنبط بالقياس النتائج التي تؤدي إليها .

 المقالة الرابعـة : في تعـرف أفعـال قوى الأدوية المفردة وقد سرد ابن سينا سبعـة وأربعـين مسمى لأفعـال الأدوية ، نعـتقد أنه لم يترك شيئاً من أفعـال الأدوية وقسم الأفعـال إلى ستة أقسام كالآتي :

 1 - المسخن ، الملطف ، المحلل ، المخشن ، المفتح ، المنضج ، الجاذب ، المقطع ، الهاضم ، كاسر الرياح ، المحمر ، المحكك ، المقرح ، الأكال ، المحرق ، اللاذع ، المفتت ، المعـفن ، الكاوي ، المقشر .

 2 - المبرد ، المقوى ، الرادع ، المغـلظ ، المفجج ، المخدر .

 3 - المرطب ، المنفخ ، الغـسال ، الموسخ للقروح ، المزلق ، المملس .

 4 - المجفف ، العـاصر ، القابض ، المسدد ، المفري ، المدمل ، المنبت للحم ، الخاتم .

 5 - قاتل السم ، الترياق ، البادزهر .

 6 - المسهل ، المدر ، المعـرق .

 المقالة الخامسة : في أحكام تعـرض للأدوية من خارج ، فبين ما تتعـرض له الأدوية بالصناعـة مثل الطبخ والسحق والإحراق بالنار والغـسل والإجماد في البرد ، والوضع إلى جوار أدوية أخرى وأثر هذه العـمليات في قوة الدواء وفاعـليته وكلها أمور لا يتعـرض لها أو يهتم بها إلا كل خبير مجرب وتدل عـلى معـرفة دقيقة بأمور العـقاقير المفردة والمركبة .

 المقالة السادسة : في التقاط الأدوية وادخارها ويذكر فيها الأدوية المعـدنية والحيوانية والنباتية وعـن الأخيرة يقول ( أما النباتية فمنها أوراق ومنها بذور ومنها أصول وقضبان ومنها زهر ومنها ثمار ومنها جملة النبات كما هو ) .

  وقد وضع ابن سينا معـايير لجمع النباتات الطبية أو أجزائها أهمها وقت جمع النبات وموسمه وتؤكد الدراسات الحديثة عـلى هذا المعـيار ، فقد أثبتت التجارب أن المواد الفعـالة في عـضو ما بجسم النبات تتأثر كميتها بالوقت والموسم الذي تجمع فيه ، فقد تقل أو تكاد تختفي بعـض المواد الفعـالة في نبات اللحلاح أو بصل العـنصل مثلا ، إذا ما جمع النبات في موسم غـير فصل الخريف .

 

  ابن سينا فيلسوفاً :

 

  كثير من مؤرخي العـلوم يضعـون ابن سينا في مقدمة فلاسفة المسلمين وهو يعـتبر من مؤسسي الفلسفة الإسلامية ومرسي دعـائمها وهو قد فهم الفلسفة عـن طريق الفارابي ولكنه توسع فيها وتبحر كما اعـتمد عـلى فلسفة اليونانيين وخاصة أرسطو وأفلاطون ولكنه خالفهما في كثير من النظريات والآراء ولم يأخذ منها إلا ما وافق مزاجه وانسجم مع تفكيره .

  ولأبن سينا في الفلسفة ما يزيد عـلى ستة وعـشرين مؤلفاً منها : كتاب ( الشفاء ) و شفاء النفس ) وكتاب ( النجاة ) وكتاب ( أقسام الحكمة ) وكتاب ( الحاصل والمحصول ) وكتاب ( الحكمة المشرقية ) وكتاب ( الأوسط الجرجاني في المنطق ) وكتاب ( النهاية واللانهاية ) وكتاب ( المبدأ والمعـاد في النفس ) وكتاب ( البر والإثم ) وتسع رسائل في الحكمة والطبيعـيات ورسالة في القضاء والقدر .

 

    ابن سينا فيزيقياً :

 

   لابن سينا في الفيزيقا جهود بارزة وإسهامات ومؤلفات كثيرة ومؤلفات من كتب ورسائل منها :

 1 - قسم الطبيعـيات من كتاب ( الشفاء ) .

 2 - كتاب ( النجاة ) ويكاد يكون ملخصاً جامعـاً للمفاهيم الأساسية الواردة في الشفاء .

 3 - كتاب ( الإشارات والتنبيهات ) وهو كتاب شديد التركيز قصد به الخاصة .

 4 - رسائل تسع في الحكمة والطبيعـيات .

 5 - رسالة أضحوية في أمر المعـاد .

  ولعـل أهم إنجازات ابن سينا في ميدان الفيزيقا تندرج تحت ما نسميه اليوم عـلم الميكانيكا ، حيث بين :

 

     أنوع القوى :

  يقسم ابن سينا القوى المؤثر في الجسم إلى أنواع ثلاثة : قوى طبيعـية تعـيد الأجسام إلى مواضعـها الطبيعـية إن هي عـنها أبعـدت ، وهي ما نسميها اليوم قوة الجاذبية الأرضية أو قوة التثاقل ، والقوة القسرية أو القاهرة التي تجبر الجسم إما عـلى التحرك أو عـلى السكون وقوة كامنة في الفلك العـلوي تحرك الجسم بإرادة متجهة .

 

    عـناصر الحركة :

  ( المتحرك ، والمحرك وما فيه وما منه وما إليه والزمان ) عـناصر ستة يحددها ابن سينا للحركة عـلى التوالي ، بدايتها الجسم المتحرك ، أي الجسم الذي يتخذ حال الحركة ، ثم المحرك أي الدافع للحركة ، ثم ما فيه الجسم ، أي مكانه أو موضعـه أما العـنصران الرابع والخامس ( مامنه) و ( وماإليه ) فيقصد بها الابتداء والانتهاء والزمان إشارة إلى الفترة الزمنية التي تتم فيها الحركة بقطع مسافة الانتقال ، وقسمة المسافة المقطوعـة عـلى الزمان يعـطي متوسط سرعـة الحركة .

 

   مقاومة الوسط :

 

  فطن ابن سينا إلى نقطة جوهرية وهي أن معـاوقة الوسط الذي يتحرك الجسم خلاله يؤدي إلى إبطال الحركة فيه ، مما يعـني استحالة الحركة الدائمة ويقول في ( الإشارات والتنبيهات ) ( لا يجوز أن يكون في جسم من الأجسام قوة طبيعـية تحرك ذلك الجسم بلا نهاية ) .

  ومن إنجازاته الفيزيقية الأخرى من مثل :

  - البصر يسبق الصوت ، أي أن سرعـة الضوء  تفوق بكثير سرعـة الصوت .

 - سرعـة النور ( الضوء ) محدودة وإن كانت فائقة المقدار ، وهي آنية ، فالبرق يحس في الآن بلازمان .

  - البرق يرى والرعـد يسمع ، فإذا حدثا معـاً رؤى البرق وتأخر سماع الرعـد .

  - الشعـاع المسبب للإبصار يأتي من الجسم المرئي إلى العـين .

  - له بحوث في الزمان والمكان والحيز والإيصال والقوة والفراغ والنهاية واللانهاية والحرارة .

  - يحتاج الإنسان في السمع إلى تموج الهواء أو ما يقوم مقامه من صلب أو سائل .

  - له دراسات عـن قوس قزح .

  -  عـين الوزن النوعـي لكثير من المعـادن .

 

   ابن سينا كيميائياً :

 

  ومن إسهامات ابن سينا في الكيمياء :

 1 - إنكار تحويل المعـادن الرخيصة إلى نفيسة ، فالمعـادن عـنده أنواع مختلفة لجنس واحد تماماً كما يشمل جنس الحيوان أو النبات أنواعـاً متعـددة ولما كان من المستحيل تحويل نوع من الكائنات الحية إلى نوع آخر ، كالحصان إلى كلب أو العـصفور إلى إنسان ، كذلك يستحيل تحويل الرصاص إلى نحاس أو الحديد إلى فضة ، فصناعـة تدبير الذهب في نظره ليست في حيز الإمكان صحيح يمكن صبغ النحاس بلون أبيض فيتخذ شكل الفضة وصبغ الفضة بلون أحمر فتظهر كالذهب ولكنهما يظلان في جوهرهما نحاسا وفضة وتستخلص الصبغـة البيضاء من الزرنيخ والزئبق والفضة والحمراء من الكبريت والذهب وملح النشادر وقد يبلغ التقليد بالصباغـة حداً يخدع به حتى العـلماء ولكنه مع هذا لا يتجاوز التقليد ، فكل معـدن يحتفظ بصفاته الذاتية التي تميزه عـن غـيره وكل ما يطرأ عـليه هو تغـير المظهر فحسب .

 وهو يعـتقد أن المعـادن جميعـها قد نشأت في الطبيعـة من اتحاد الزئبق والكبريت ، عـلى أن يكون قد بلغـا الدرجة القصوى من النقاء ولكنه أردفه برأيه في استحالة تحويل المعـادن بعـضها إلى بعـض فذلك أمر يعـجز الكيميائيين .

 2 - وصف خواص بعـض الأحماض والمواد الكيميائية : فهوأول من وصف خواص زيت الزاج والكحول ن وأول من ابتكر طريقة تحضيرهما .

 

   ابن سينا وعـلم الحيوان :

 

  1 - تصنيفه الحيوانات المائية إلى لجية وشطية ، وطينية وصخرية ، متحررة وملاصقة : الأولى كالسمك والضفدع والثانية كأصناف من الأصداف .

 2 - تحدثه عـن العـظام والغـضاريف والأعصاب والشرايين والأوردة والأغـشية والرباطات والحركات الإرادية وغـير الإرادية .

 3 - إسهابه في التشريح المقارن بين الحيوانات المختلفة من طيور وأسماك وغـيرهما .

 4 - شرحه الأجهزة العضلية والهضمية والدورية والتنفسية والتناسلية ن مغـطياً بذلك فروعـاً كثيرة في عـلم الحيوان مثل عـلم التقسيم ن وعـلم التشريح المقارن ، وعـلم البيئة وعـلم وظائف الأعـضاء .

 

    الخروج الأخير :

 

  في أصفهان أقام عـالمنا حتى بلغ من العـمر خمساً وخمسين سنة ، ولكنه أصيب بما كان يعـالج منه مرضاه من الأمراء فقد بدأ يعـاني من آلام قرحة المعـدة وآلام القولون بسبب إفراطه في الطعـام والشراب والسهر والجهد الفكري والعـمل المتواصل وقلة النوم ، وراح يعـالج نفسه بنفسه ولكن العـلة كانت تعـاوده .

  وتحامل عـلى نفسه وخرج مع الأمير عـلاء الدولة ، أمير أصفهان ، الذي أحبه ليكون بالقرب منه أثناء حربه لأمير همذان وفي همذان اشتد عـليه المرض فأدرك أنها النهاية ومن ثم استعـد للقاء ربه ، فاغـتسل وتفرغ للصلاة والتوبة والاستغـفار وقراءة القرآن وتصدق بكل ماله عـلى الفقراء ولبث ينتظر النهاية .

  كان اليوم يوم جمعـة ، الجمعـة الأول من رمضان وكان أبو عـلي ينتظر لقاء ربه وصور الطبيعـة التي تحدث عـنها في كتبه تتوالى أمام ناظريه .

 كانت الشمس تغـرب في الأفق والناس قد ذهبوا إلى صلاة المغـرب حين لفظ أبو عـلي أنفاسه لقد فارق الحياة .

 وبعـد الصلاة ، حمل الناس جثمان فقيدنا وخرجوا به من المدينة ليواروه الثرى في سفح جبل همذان .

 وكان هذا هو الخروج الأخير .

 

   عـن ابن سينا تحدثوا :

 

   1 -  ذكائه الفطري ، وذاكرته الحديدية ونبوغـه المبكر ، حيث حفظ القرآن الكريم عـن ظهر قلب وهو في العـاشرة وبرع في الطب والفلسفة وهو دون العـشرين .

 2 -  ترحاله الدائم طلبا للعـلم ، فكم جاب من مدن وزار من بلاد متعـلما ومعـلما وعـالما .

 3 -  عصاميته فبعـد أن تتلمذ عـلى كبار عـلماء عـصره لمدة وجيزه ، بدأ يشق طريقه بنفسه فقرأ الأصول لإقليدس والمجسطى لبطليموس وما وراء الطبيعـة لأرسطو .

 4 -  تفضيله المداد والأوراق عـلى ما عـداهما من طعـام وشراب ( فجوع العـقل كان ينال منه قبل جوع المعـدة ) .

 5 -  احترامه من قبل كل من عـرفه : ولاية الأمر وزملائه وطلابه والعـامة .

 6 -  لم يسلم لنبوغـه وقربه من أولى الأمر ، من أن ينازع الناس وينازعـوه .

 7 -  غـزارة إنتاجه ، إذ ربت مصنفاته عـلى المائتين والخمسين ما بين كتاب ومقالة ورسالة

 8 -  تسيده مجالي الطب والفلسفة وبقاء مؤلفاته مصدراً ومرجعـاً حتى عـصر النهضة الأوروبية وتردد اسمه طوال ألف سنة ويزيد كعـالم من أعـظم من أنجبت الحضارة الإسلامية .

 9 -  تجاوزه نتاج الحضارة الإغـريقية وإضافاته القيمة عـليه من خبراته الذاتية .

 10 -  جمعـه بين العـلوم البحتة والعـلوم التطبيقية .

 11 -  منهجه العـلمي الذي يتميز بالسمات الأربع التالية :

    أ -  الأمانة العـلمية المتمثلة في دقة التوثيق عـمن ينقل ، ونسبة الفضل لأهله .

   ب -  النزعـة الاستقلالية المتحررة من سيطرة التقليد والارتباط بنظريات وآراء وأفكار من سبقوه دون نقد أو تحقيق أو تمحيص .

  جـ -  الاعـتماد عـلى التجربة العـلمية .

   د -   محاربة الخرافات والخزعـبلات .

 12 -  جمعـة لكثير من الألقاب ، فهو المعـلم الثالث ، والشيخ ، والرئيس ، وأرسطو طاليس العـرب ، وجالينوس الشرق وأبقراطه ، وليناردو دافينشي الحضارة الإسلامية ، وأمير أطباء المعـمورة .

 

    مكانة ابن سينا :

   هناك أسباب أهلته لتلك المكانة نجمعـها فيما يلي :

 1 - كونه المفكر الموسوعـي الذي عـالج المعـرفة الإنسانية في شتي مناحيها ، بحتها وتطبيقيها ، عـلمها وأدبها ، فهو الطبيب الصيدلي ، الفيلسوف الفيزيقي ، الكيميائي النباتي ، عـالم الحيوان الجيوليوجي .

 2 - الإنتاج الضخم الذي خلفه والذي تقدره بعـض المصادر بنحو مائتين وستة وسبعـين مصنفا ما بين كتاب ومقالة ورسالة وهو تراث لا شك هائل .

 3 - التأثير الكبير الذي تركه تراثه عـلى البشرية جمعـاء ، فقد ترجمت كتبه إلى اللاتينية وكان لها دورها الذي لا ينكر في العـصر الوسيط وظل ( قانونه ) في الطب المرجع والسند لطالبي الطب في جامعـات أوروبا إلى بداية القرن السابع عـشر .

 4 - كونه من العـباقرة القلائل في تراثنا الذين خلفوا لنا سيرهم الذاتية ، تلك السيرة التي أملى قسماً منها بنفسه وأكملها من بعـده تلميذه ومريده أبو عـبيدة الجورجاني .

 

  معـاناة ابن سينا :

 

  1 - دخوله السجن .

 2 - سرقة كتبه .

 3 - اتهامه بالزندقة .

 4 - تعـرضه لحسد الحساد وحقد الحاقدين من معـاصريه .

 5 - اتهامه بأنه مجرد جماع للمعـرفة .