ابن البيطار


 

 

في عـام خمسمائة وستة وتسعـين هجرية ، ألف ومائة وتسعـة وتسعـين ميلادية ولد عـالمنا ابن البيطار بمدينة ملقا وفي عـام ستمائة وستة وأربعـين هجرية ، ألف ومائتين وثمانية وأربعـين ميلادية كانت وفاته بمدينة دمشق وله من العـمر ستون سنة هجرية أو تسع خمسون ميلادية .

 

    في مدينة ملقا ، عـلى الشاطيء الجنوبي الشرقي للأندلس ( أسبانيا الآن ) كان يعـيش أحمد البيطار مع زوجته نعـمي وابنهما عـبدالله .

 وذات يوم كان أحمد جالسا أمام سور بيته يعـمل حين وفد عـليه ابن الرومية عـالم النبات بإشبيلية ، فترك أحمد عـمله ورحب بضيفه وحكي له قلقه عـلى ولده عـبداللـه ، الدائم التجوال في الغـابة وعـل شاطئ النهر وفي أحصان البساتين وحدثه عـن ولعـه بالأزهار والأشجار وعـن خوفه عـليه أن يصير يوما شقيا من الأشقياء أو أن يذهب ضحية للفرسان الأسبان النذلاء الذين يجوبون تلك الأماكن كما حدثه عـن عـزوف ولده عـن العـمل معـه في البيطرة فضحك ابن الروميه وقال : لو صح حدسي يا أبا عـبداللـه فابنك لين يكون بيطارا مثلك وأحسبه سيصير عـالما مثلي في النبات والصيدلية ولسوف يأتي يوم ألتقي به وأغـربه بصحبتي والتعـلم عـلى يدي وودع أحمد صاحبه وانصرف ابن الرومية مبتعـدا وقد طرح وراء ظهره كيسا عـامرا بما جمعـه من نباتات طبية في غـابات ملقا وأحرشها وتوجه إلى جبل الفتح .

  عـند سفح جبل الفتح رأى ابن الرومية غـلاما في العـاشرة جالسا يرسم في دفتر من الذاكرة ولما أدركه وجده عـبداللـه بن أحمد البيطار ولما أبصر ابن الرومية دفتره وقد امتلأ برسوم متعـددة الألوان قال بدهشة : عـجبا كيف عـثرت عـلى كل هذه الألوان ، فقال الغـلام بزهو : من الطبيعـة من أصباغ خلقتها بنفسى ولما عـلم عـبدالله أنه يتحدث إلى عـالم النبات الغشبيلي أبو العـباس أحمد بن محمد بن الرومية حدثه برجاء : ليتك تعـلمني ياسيدي مما أوتيت عـلما عـن النبات : فأجاب العـالم ( معـملي مفتوح لك يا بني في إشبيلية عـندما يحين الوقت المناسب لذلك ) .

 عـزم عـبداللـه عـلى الرحيل وحده غلى إشبيلية ليدرس عـلم النبات عـلى يدى ابن الروميه وسار عـبداللـه وسار حتى دخل إشبيلية في العـام السادس من القرن السابع الهجري ، التاسع من القرن الثالث عـشر الميلادي وكانت خاضعـة مثل ملقا لحكم المغـاربة الموحدين وتوجه من فوره إلى ابن الرومية حيث رحب به وصحبه إلى معـمله ومشتله .

 أبصر عـبداللـه المعـمل الصغـيرة وقد ازدحم بالمناضد والدوارق والأنابيب والزجاجات المليئة بسوائل ملونه وقد عـنونت بأسماء مختلفة كما كان به أجهزة للتقطير والترشيح والتكثيف كما ذهب إلى المشتل من وراء المعـمل وقد غـرست في أرضه نباتات وفي أوان خزفية .

 

  مؤلفات ابن البيطار :

 

   1 - كتاب ( الجامع في الأدوية المفردة ) أو ( الجامع لمفردات الأدوية والأغـذية ) أو ( مفردات ابن البيطار ) .

   ومن أهدافه ستة أساسية هي :

 

   أ -  استيعـاب القول في الأدوية المفردة والأغـذية كثيرة الاستخدام في ليل أو نهار .

  ب - صحة النقل فيما ذكره عـن الأقدمين وحرره عـن المتأخرين .

  ج - ترك التكرار حسب الإمكان إلا فيما تمس الحاجة إليه لزيادة معـني وتبيان .

  د - قريب مأخذه بحسب ترتيبه عـلى حروف المعـجم مقفي ليسهل عـلى الطالب ما طلب من غـير مشقة ولا تعـب .

  هـ - التنبيه عـلى كل دواء وقع فيه وهم أو غـلط لمتقدم أو متأخر لاعـتمادهم أكثر عـلى التواتر والنقل واعـتماده هو عـلى التجربة والمشاهـدة .

  و - بيان أسماء الأدوية بسائر اللغـات كالعـربية والبربرية واللاتينية ولم يترك دواء إلا أوضح فيه منفعـة مذكورة وأورد تجربة مشهورة .

  2 - كتاب المغـني في الأدوية :

   وضع ابن البيطار عـلاجا لكل عـضو من أعـضاء الجسم واحدا واحدا بطريقة مختصرة استفاد منها أطباء عـصره .

 3 - كتاب المغـرب .

  وهو عـن الأطعـمة والأدوية النباتية وقد عـثر فيه عـلى 300 وصف لأدوية كانت مجهولة من قبله .

 4 - كتاب الأقرباذين

  يحتوي عـلى مجموعـة كبيرة من الأدوية المفردة ووصفا شاملا لجميع النباتات والأحجار والمعـادن التي لها خواص طبية وقد ألفه ابن البيطار عـندما كان مقيما بمصر .

 5 - كتاب شرح أدوية ديسقوريدس .

 6 - كتاب الأفعـال العـجيبة والخواص الغـربية

 7 - كتاب الإبانة والإعـلام بما في المنهاج من الخلل والأوهام .

 

 للنبوغ أسباب :

 

  1 - ذكاؤه الفطري وعـقليته العـلمية الأصيلة .

 2 - قوة ذاكرته وتمكنه من بعـض اللغـات الأجنبية وخاصة اليونانية التي جعـلته يستفيد من تراث الإغـريق في النبات ويجعـل منه منطلقا لوثباته العـلمية الهائلة .

 3 - خبراته الثرية التي اكتسبها من كثرة رحلاته وأسفاره التي بدأها مبكرا وطاف خلالها كثيرا من دول العـالم فقد بدأ سياحته العـلمية في العـشرين .

  4 - منهجه العـلمي الذي يتميز بما يلي :

   أ - الميل إلى الجريب والأيمان بضرورة المشاهدة والملاحظة ثم الاستنباط فكان في ترحاله يدرس النبات في منابته إبان إزهاره وإثماره والأرض التي تنبته والعـوامل البيئية المؤثرة فيه .

  ب - الأمانة العـلمية ، فهو يذكر أن ابن البيطار لم يكن يذكر دواء إلا ويعـين في أي كتاب وفي عـدد وفي أي مقالة هو من جملة الأدوية التي شملتها المقالة وكان حريصا عـلى نسبة الفضل لأهله وإعـطاء كل صاحب حق حقه .

 جـ - تحري الدقة والتشبت بما يقول أو يقرأ أو يسمع بالمشاهدة والنظر .

  د - الالتزام بالموضوعـية وعـدم التحيز .

  هـ - رؤيته الخاصة فهو لم يقف من كتب السابقين من مثل ديسقوريدس وجالينوس وأويباسيوس وابن سينا وابن مسكويه والجاحظ والإدريسي والغـافقي موقف المسلم بكل ما فيها ، فكثيرا ما كانت عـنده موضع نقد وتصحيح ، فضلا عـن جاوزه لها بخبراته الخاصة وتجاربه الميدانية .