الإدريـسـي


 

 

في مدينة سبته وفي عـام 492 هـ ( 1099 م ) كان مولد محمد بن محمد بن عـبداللـه بن إدريس ، حفيد إدريس الثاني الحمودي أمير ملقا وعـاش طفولته وصباه وشبابه الأول يصعـد هضابها ويبصر زرقة سمائها ويرقب ، في نور الشمس وضوء القمر ، السفن غـادية رائحة في البحر المتوسط يميل بعـضها إلى مرسى سبتة بينما يواصل البعـض الآخر رحيله شرقا إلى موانئ الإسكندرية واللاذقية وعـكا وغـربا عـابرا بوغـاز جبل طارق إلى الموانئ الغـربية بأوروبا وأفريقيا .

 وكان محمد في السادسة عـشر حينما استمع إلى أبيه وهو يعـظه وينصحه بالرحيل إلى مدينة قرطبة بالأندلس التي كانت منضمه آنذاك للمغـرب الأقصى تحت حكم المرابطين وخاصة جامعـها ففيه عـلم أكثر وأغـزر .

 وحقق الأبن وصية الأب ، فنزل محمد المدينة وكانت ما تزال حاضرة العـلم والثقافة غـربي العـالم الإسلامي وواحة الفن والمعـرفة في أوروبا بأسرها وأخذ يتردد عـلى حلقات مسجد قرطبة الجامع ويختلف إلى عـلمائه وبينهم فقهاء ومحدثون وفلاسفة ورياضيون وفلكيون وجغـرافيون ودهش محمد إذ رأى أطفال المدارس يدرسون في مدارس قرطبة الجغـرافيا عـلى خرائط ويديرون بين أيديهم كرات أرضية .

 وإذا كان عـالمنا يسمى حينا بـ ( القرطبي ) فذلك لقضائه معـظم حياته الدراسية في قرطبة .

 

  وتتاح لمحمد فرصة الانقطاع عـن الدرس شهورا ، فيشرع في الرحلة والسفر يجوب ديار الأندلس ( أسبانيا والبرتغـال الآن ) وعـبر البحر وزار سواحل إنجلترا الغـربية كما زار سواحل فرنسا الغـربية والجنوبية وتعـلم أطرافا من الحديث بالفرنسية والإنجليزية واللاتينية وكان أبدا يصحب معـه خادما يدبر له أمره وجاريه تطهو له طعـامه .

 وعـاما بعـد عـام كانت نفس محمد تراوده وهو في قرطبة وفي سبته التي كان يعـود إليها كل عـام ، ليرى أهله ويتزود بالمال ، لزيادة الجزيرة الحبيبة صقلية ، فله فيها أهل وخلان .

 نعـم كان هنا شيء خفي يجذبه دائما إلى تلك الجزيرة وكان يعـلم أن قبائل النورمان قد احتلتها إثر غـزوها للجنوب الأيطالي قبل أربعـين سنة من مولده وأن له فيها أقارب نزحوا إليها إثر انهيار دولة بني حمود من الأدارسة بالأندلس لكنه في الوقت نفسه كان يخشي القيام بهذه الزيارة وغـزاة النورمان يحتلونها ويصادرون أراضي المسلمين في قراها .

 

 والكتاب الأول ضمنه الإدريسي أنواع الأشجار والثمار والحشائش والأزهار والحيوانات والمعـادن وأخذ يرتبها عـلى حروف أبجد هوز وساق معـجما لأسمائها في لغـات مختلفة كثيرة مثل : العـربية والفارسية واليونانية وللاتينية والسريانية والعـدانية والهندية والكردية والتركية والأسبانية والبربرية والقبطية وكأنه كان بكل هذه اللغـات من العـارفين وذكر منها كل مفرد وما يستخرج منه من صموغ وزيوت وما يستخدم فيه أو يستخرج في العـلاج والتداوي .

 وقد استفاد الإدريسي في تأليفه للـ ( جامع ) من العـلماء السابقين من إغـريق وعـرب فمن الإغـريق : كتاب ( الأدوية المفردة ) لديسقوريدس وكتاب أصطفان في ( المفردات ) وكتاب جالينوس في ( المفردات ) ومن العـرب : كتاب ( الأدوية المفردة ) لحنين بن إسحاق وكتاب ( الفائدة ) لابن سرافيون وكتاب ( النبات ) للدينوري وكتاب ( الأدوية المفردة ) لخلف بن عـباس الزهراوي وكتاب ( الاعـتماد في الأدوية ) لابن الجزار وكتاب ( المنتخب ) لأبي بكر بن وحشية وكتاب ابن سمحون ( الصيدلاني ) وكتاب ( التفهيم ) لابن الكنعـاني وكتاب أبي المطرف عـبدالرحمن بن وافد .

 وقد توفى في عـام 1165 وهو في الستين ونيف .