مـحـمـد الـفـارابـي


 

 

في قرية وسيج بإقليم فاراب فيما وراء نهري سيحون وجيحون بجمهورية تركستان الآن ، ولد محمد بن محمد بن طرخان وكان فارسي الأصل ، تركي الموطن ، عـربي الثقافة والدين منذ دخل أبوه في دين الإسلام ونزح بأهله إلى فاراب  .

 

وفي مسجد القرية ومساجد الإقليم حفظ محمد القرآن الكريم ودرس الفقه والحديث والتفسير وأتقن اللغـتين الفارسية والتركية وألم بالعـربية .

 

وكان محمد زكي النفس هادئ الطبع ليس له من أمور الدنيا والجسد ، فروحه يحلق حيث يحلق عـقله ويتسامى عـقله إلى حيث يسمو روحه يؤثر الوحدة والتأمل في أمور الدنيا والدين وحياة الناس حكاماً ومحكومين .

 

وكثيراً ما كان يخرج محمد من عـزلته ليمارس مع إخوانه الزراعـة في مزرعـة أبيه ، وهو قائد صغـير من قواد الجيوش السامانية ، يحرث ويسقى ويرعـى الزرع ويحرس بستان الفاكهة في مواسم الإثمار ، ويبدو أن العـمل الأخير قد استهواه فمارسه طوال حياته .

 

  العـالم الصغـير :

 

لما بلغ محمد الثلاثين من عـمره أراد والده أن يستله من وحدته فحدثه في أمر الزواج ، ولكن رده كان قاطعـاً : نذرت يا أبت نفسي لحياة العـلم والعـلماء وإني لأوثر أن تكون حالي عـلى ما هي عـليه الآن  ، أقرأ في كتب الأولين والمعـاصرين وفي كتاب الطبيعـة المفتوح .

 

ولعـب القدر لعـبته ففي فاراب كان يعـيش عـالم مجهول لديه كتب شتى في المنطق والفلسفة والموسيقى والرياضيات ولما أراد هذا العـالم السفر خشى عـلى مكتبته من الضياع فحملها إلى العـالم الشاب وفرح محمد بكتب العـالم المسافر وعـكف عـليها بفرح ونهم يعـلم نفسه بنفسه وكانت الكتب مؤلفة بأقلام عـلماء مسلمين من جنسيات مختلفة كما كان بعـضها مترجماً عـن اليونانية خاصة ومن ثم لم تخل من كتب لأرسطو وأفلاطون  .

 

قرأ العـالم الصغـير محمد كتاب ( النفس ) لأرسطو مائة مرة ، وقرأ كتاب ( السماح الطبيعـي ) لأرسطو أيضا أربعـين مرة ، وكان يبذل جهداً مضنياً في تحصيل العـلم والغـوص في أعـماقه والتنقيب في أسراره ومكنوناته بدأب ظاهر وصبر عـجيب .

 

وبين كافة الناس العـاديـين منهم والعـلماء ، اشتهر العـالم الصغـير محمد في إقليم فاراب بلقب ( الفارابي ) ( محمد بن محمد طرخان الفارابي ) زهواً به وإعـلاء لشأنه .

 

   تلميذ في الخمسين :

 

تاقت نفس الفارابي للترحال طلباً للمعـرفة ورؤية للدنيا ولقاء بالعـلماء ، زاده لحم مقدد وجبن مجفف وتمر وزيتون ودراهم معـدودة ومعـه بغـلته وكتبه التي لا تفارقه في حله وترحاله .

 

جاب الفارابي أرجاء آسيا الوسطى ( جنوبي الاتحاد السوفيتي السابق الآن ) وبلاد فارس ( إيران) وخراسان ( أفغـانستان ) وأينما نزل في بلد ترك وراءه نسخة من كتبه لعـالم أو جانبا من معـارفه لطالب عـلم .

 

ولما بلغ من العـمر خمسين سنة ، وكان ذلك في عـام 922 ميلادية ، دخل بغـداد بعـد طول ترحال وعـلى منأى منها استأجر بيتاً آوى إليه وبغـلته وكتبه وراح يتأمل أحوال المدينة .

 

فكان اللقاء بإمام عـلماء المنطق في زمانه ( أبو بشرمتي بن يونس ) بعـد صلاة المغـرب في المسجد الكبير ببغـداد ، وتأمل أبو بشر ملياًَ في الفارابي ، فبدا له طويل القامة عـريض المنكبين قوى البنية وقد ابيض شعـره واخشوشنت يداه لخدمته لنفسه أو لممارسته أعـمال الفلاحة والبستنه . قال أبو بشر مداعـباً أبعـد هذا العـمر تأتي لتدرس عـلوم المنطق والفلسفة والرياضيات ، فقال له الفارابي وهو يبتسم : يا سيدي أبا بشر ن النابغـة الذبياني نبغ في قرض الشعـر بعـد الأربعـين ، والعـلم يطلب من المهد إلى اللحد وإن لي في العـلم لشأناً وقد تركت ورائي شروحاُ في المنطق والفلسفة ، ثم جئت إليك ففوق كل ذي عـلم عـليم .

 

ارتاحت نفس أبي بشر للفارابي ورتب له من يجعـله يتقن العـربية نحواً وصرفاً ورأى أنه سيكون فيها من النابهين وعـرض عـليه أن يكون له راتب من بيت الحكمة أو بيت المال أو أحد الأمراء ممن يرعـون العـلم والعـلماء ، ولكن عـالمنا أبى حيث كان يتكسب من عـمله الذى اختاره لنفسه من سنين ألا وهو حراسة البساتين .

 

   لقاء العـالم السراج :

 

صحب أبو بشر ضيفه الفارابي للقاء عـالم النحو والصرف أبي بكر السراج ، وكان اسماً عـلى مسمى ، فقد كان بالفعـل سراجا للخيل والبغـال والحمير مثل كثيرين من عـلماء ذلك الزمان الذين يتكسبون رزقهم عـن عـمل أيديهم ليحيوا أحراراً بعـقولهم .

 

وقرأ الفارابي عـلى يدى العـالم السراج معـجم ( العـين ) للخليل بن أحمد ، وهو أول معـجم وضع للغـة من لغـات الأرض ، كما قرأ ( الكتاب ) لسيبويه في النحو ، وكتباً أخرى في البلاغـة والصرف واستغـرق درسهما واتقانهما عـامين من حياته في بغـداد ، لم ينقطع فيهما عـن دراسة المنطق والفلسفة في الوقت نفسه عـلى يدى أبي بشر .

 

وبلغ الفارابي من اتقانه للعـربية وعـلومها حداً راح يضع به مصطلحات عـربية تقابل ما يناظرها في اليونانية والفارسية لعـلوم المنطق والفلسفة والرياضيات والموسيقى .

 

  بلوغ الذري :

 

ارتحل الفارابي إلى حران ( في جنوب شرقي تركيا الآن ) ومكث بها عـامين في أعـمال عـلمية مثمرة مع عـالم آخر بالمنطق والفلسفة والطب هو يوحنا بن حيلان ، عـاد بعـدها إلى بغـداد حيث زف إليه أبو بشر خبراً أخافه وأسعـده .

 

كانت الترجمات الشتى لكتب اليونان في المنطق والفلسفة خاصة متضاربة في الشروح والمصطلحات وقد وقع اختيار المسؤولين في بيت الحكمة عـلى الفارابي ليزيل ما فيها من اضطراب بين الترجمات وراح يعـمل في بيته الصغـير ليله كله ، ليلة إثر أخرى ولا أحد يعـلم كم شهراً قضاه أو كم من السنين أنفقها في القيام بهذا العـمل الشاق مع كتب هي حصاد عـصر بأكمله من الترجمات وأدى الفارابي مهمته عـلى خير وجه فقد صار المختلفون متفقين .

 

وهنا توافد عـليه طلاب العـلم في بيته الصغـير في الليل وفي صحن الجامع الكبير في النهار وكان أشهرهم فيما بعـد تلميذ عـالم المنطق الشهير يحيى بن عـدي .

 

وبلغ عـالمنا ذروة نضجه العـلمي وقد قارب الستين أو كاد ، وهو ما يزال قوى البنية شديد العـافية سليم النظر فاستل نفسه من مجال الدرس والتحصيل والشرح والغضافة والتعـليق ووضع المصطلحات إلى مجال التأليف في مجالات ثلاثة أساسية هي المنطق والفلسفة والموسيقى .

 

في المنطق دون الفارابي بحوثه في أجزاء تدور كلها حول كتاب ( الأرجانون ) لأرسطو بالتعـليق تارة وبالتلخيص أخرى وفي الفلسفة ، وكانت تشمل الطبيعـيات والرياضيات والميتافيزيقا ( ما وراء الطبيعـة ) والأخلاق والسياسة ، ألف أكثر كتبه وفي الموسيقى وضع كتابه ( الموسيقى الكبير ) الذي تحدث فيه عـن صناعـة الموسيقى : أصولها وضوابطها وآلاتها وصنوف ألحانها .

 

وكان الفارابي يكتب بأسلوب متميز دقيق مركز لا تكرار فيه ولا ترادف ، يعـطى أغـزر المعـاني في أقل الكلمات ، لا يطيل في شرح المألوف ولا يتوقف إلا عـند القضايا الكبرى كل ذلك في ضوء منهج شديد الاهتمام بالتحليل والتركيب والتفريع والإجمال ورد الفروع إلى الأصول .

 

  محاولات توفيقية مشكورة :

 

  كانت غـاية الفارابي من كتبه الفلسفية بالذات أمرين : التوفيق فيما يبدو من متناقضات بين فلسفة أرسطو من جهة وفلسفة أفلاطون من جهة أخرى ، ففلسفة أرسطو تنصب عـلى الموجودات المادية ، بينما تربط فلسفة أفلاطون بين هذه الموجودات وما يسمى بعـالم الصورة أو المثال والأمر الثاني التوفيق بين قضايا الفلسفة وقضايا الدين الإسلامي .

 

 وقد وفق الفارابي في الأمرين أيما توفيق ، وخصوصاً توفيقه بين الفلسفة والدين وقد نالت محاولاته التوفيقية هذه نجاحاً في زمانه ، مثل النجاح الذى وجد المذهب الأشعـري في عـلم الكلام لأنه وفق ، باقتدار بين أصحاب العـقل وأصحاب النقل ومثل النجاح الذي وجده المذهب الشافعـي في الفقه الإسلامي لأنه انتهج طريقاً وسطاً بين المذهب الحنفي الذي يعـنى في مقولات الفقه بالعـقل والقياس والمذهب المالكي الذي يعـنى في مقولات الفقه بالحديث والسنة .

 

  مدن فاضلة وأخرى غـير فاضلة :

 

  كان الفارابي يرى أن المدن البشرية نوعـان : مدن فاضلة ، وأخرى غـير فاضلة والمدن الفاضلة غـايتها تحقيق السعـادة ، أسمى أمانى الإنسان ولا تكون السعـادة إلا بممارسة الأعـمال المحمودة وبالممارسة تتولد السعـادة .

 

 والفضيلة ، في المدن الفاضلة هي وسط بين حدين الإفراط والتفريط والعـمل الصالح هو العـمل المتوسط مثلما تتوسط الشجاعـة بين التهور والجبن ويتوسط الكرم البخل والسفه .

 

 ومهمة التعـليم هي مهمة رئيس المدينة الفاضلة الذي يجب أن تجتمع فيه خصال حميده : قوة الشخصية وقوة العـقل وقوة البدن وقوة النفس وقوة الخلق ، إذ مهمته خلقية مثلما هي سياسية وهكذا يجب أن يكون وزراؤه ومعـاونوه .

 

 والمدن غـير الفاضلة تتمثل في مدن جاهلة ، لا يعـرف أهلها السعـادة ، فغـايتهم إشباع نزواتهم ، وأولو أمرهم لا يامرون بمعـروف ولا ينهون عـن منكر .

 

  أول موسوعـة عـلمية في التاريخ :

 

 

  وصل إلينا سوى واحد وعـشرين مصنفاً تقف في ذروتها كتبه ( آراء أهل المدينة الفاضلة ) و ( السياسات المدنية ) و ( الموسيقى الكبير ) و ( معـاني العـقل .

 

 ولكن أهم كتاب للفارابي ، خرج به من كل حصاد مؤلفاته من الكتب والرسائل ، هو كتابه الشامل  ( إحصاء العـلوم ) ففيه تجمعـت كل معـارف الفارابي الموسوعـية في شتى العـلوم وجاء لمؤلفاته بمثابة الدرة في التاج .

 

 

 و ( إحصاء العـلوم ) هذا في الواقع يعـد أول محاولة موسوعـية عـلمية في تاريخ الفكر الإسلامي بل وفي تاريخ الفكر البشري كله ، فقد أحصى فيه العـلوم المشهورة في زمانه عـلماً ، وجعـله في فصول خمسة : فصل عـن عـلم اللسان ، وفصل عـن عـلم المنطق ، وفصل عـن التعـاليم ، وفصل عـن العـلم الطبيعـي ، والفصل الأخير عـن عـلمي الفقه والكلام .

 

  لقاء الأمير والامتحان العـسير :

 

مكث الفارابي في بغـداد عـشرين سنة تغـيرت خلالها أحوال وتبدلت أحوال ، لذا كان لابد من الترحال .

 

دخل الفارابي مدينة حلب وكان يعـرف أن أميرها سيف الدولة الحمداني يحب العـلم والعـلماء ويحيط نفسه بالشعـراء والفنانين والكتاب .

 

 وآثر الفارابي ، وهو عـالم بين العـلماء ألا يقيم في حلب دون أن يلتقى بأميرها حتى لا يظن ببعـده عـنه الظنون وحتى يغـلق دونه أبواب السعـايات الفاسدة والوشايات وكان لقاؤه بسيف الدولة لقاء فريداً ، إذ إنه لم يسع من قبل للقاء أحد من أهل السلطان .

 

 دخل الفارابي قصر سيف الدولة في زيه التركي المعـتاد ولمح الأمير جالساً في الصدارة عـلى أريكه عـالية في الإيوان يحيط به العـلماء عـلى الجانبين ، ومشى الفارابي نحوه ثابت الخطى  فدهش الأمير ودعـاه للجلوس وهو يسير عـلى البساط نحوه ، فقال له الفارابي ن وهو ما يزال يواصل سيره : حيث أنا أم حيث أنت ، فصاح به سيف الدولة : بل حيث أنت ولم يبال الفارابي بما سمع وواصل خطوه حتى بلغ الأمير في جلسته وهم به الحراس والرابضون وراء الاستار إلا أن الأمير أشار لهم فتوقفوا .

 

 وعـندئذ ابتسم سيف الدولة قائلاً : ما أحسب هذا الشيخ إلا عـالماً ، ولقد أساء معـنا الأدب ، فلكم أن تختبروا عـلمه فإذا رسب في الامتحان فلأدفعـن به إلى الحراس ليقتلوه .

 

 وتوالت أسئلة العـلماء للفارابي كالسهام من كل اتجاه : في الفقه والحديث والتفسير وعـلم الكلام وعـلوم اللغـة والمنطق والفلسفة والرياضيات ولم يتوقف الفارابي عـ، جواب ما عـنه يسألون وكان يجيب ببساطة وعـمق مدللا بالشواهد والأمثال وراح العـلماء يسجلون إجاباته ويجمعـونها فيما بعـد في كتاب قيم بعـنوان ( رسالة في جواب مسائل سئل عـنها الفارابي ) .

 

ونجح عـالمنا بامتياز في الامتحان ، وصار صديقاً للأمير .

 

  صلاة الوداع :

 

تاقت نفس الفارابي لرؤية مصر ولم تكن قاهرتها قد أنشئت بعـد كامتداد لمدائن الفسطاط والقطائع والعـسكر وأقام فيها ما حلا له المقام ثم قفل عـائداً إلى دمشق وفي دمشق دعـاه الأمير لجولة فشاركه فيها وقد قارب من العـمر الثمانين : عـمر متقدم وصحة معـتلة وعـظم واهن .

 

 وفي دمشق طاف الفارابي مع الأمير بإرجاء غوطتها التي تحيط بها من الجنوب كهلال أخضر وجلسا معـاً وفجأة أحس عـالمنا بهبوط القوى ، فدعـى الأمير طبـيـبه المرافق عـلى عـجل لكن الطبيب إذ بلغ الفارابي الممدد عـلى حشيش أخضر وجد روحه قد فاضت إلى بارئها .

 

وحزن الأمير عـلى صديقه الشيخ بقدر ما سعـد بصحبته وإقامته في بلاده عـشر سنوات وأمر فحمل الجسد النبيل المسجى لشيخ عـاش زاهداً ، إلى الجامع الأموي وصلى عـليه الأمير بنفسه صلاة الوداع .

 

 وورى جسد الفارابي ثرى دمشق ، وعـاد الأمير إلى عـاصمته بدونه وزار البستان الذي كان يحيا في بيت به صغـير وصحب الحراس بغـلة الفقيد وضموها إلى حظائر الأمير كما حملوا كتبه حيث كانت الدرة بين الكتب في مكتبه قصر الإمارة .